الجهة التي نريد ، لأننا لن نكون أسرى محصورين بين أربعة جدران . وأعجبت أمير المؤمنين الخطة ، فنفذوها . وكان أمير المؤمنين المعتمد على اللّه أحمد .
لما وصل يعقوب ، نزل قبالة معسكر الخليفة وعسكر هناك ، فاختلط العسكران معا . وفي اليوم نفسه أعلن العصيان وأرسل إلى الخليفة يقول : « سلّم بغداد ، وامض إلى حيث تشاء » . فاستمهله الخليفة شهرين فأبى ، ولما أرخى الليل ستوره بعث الخليفة رسولا إلى جميع قادة جيش يعقوب يقول :
« لقد أعلن يعقوب عصيانه وانضم إلى الشيعة ، وما جاء إلى هنا إلّا لتقويض أركان ملكنا ، والقضاء علينا ، وإحلال أعدائنا ومخالفينا محلنا . أتقرونه على هذا أم لا ؟ » . فقال فريق : « إنه مصدر رزقنا وكل ما نحن فيه من جاه ونعمة وعظمة . سنفعل ما هو فاعل » . وقال الغالبية : « لا علم لنا بما يقول أمير المؤمنين وما كنا نحسب أن يعقوب سيخالفه أبدا ، أما وقد فعل ، فلا نوافقه بأيّة حال ، وعند اللقاء فنحن معك لا معه . سنقاتل إلى جانبك وننصرك » . وكان هؤلاء أمراء خراسان .
سرّ الخليفة لمّا سمع جواب قادة يعقوب على هذا النحو ، فأرسل إليه في اليوم التالي برباطة جأش يقول : « الآن أبديت كفران النعمة ، فخالفتنا وانحزت إلى مخالفينا . السيف بيني وبينك . لا تخيفني قلة جندي وكثرة عسكرك ، فاللّه - عزّ وجلّ - ناصر الحق معي . وذاك الجيش الذي تملك جيشي ثم أمر جيشه بارتداء السلاح . فتهيّئوا للقتال ، وأعلنوا النفير ، وخرجوا من معسكرهم واصطفّوا في الصحراء . لما سمع يعقوب رسالة الخليفة على ذلك النحو ، قال : « الآن أدركت بغيتي » . ثم أمر هو بإعلان النفير أيضا . وامتطى عسكره خيولهم ومضوا إلى الصحراء مجهّزين ، واصطفوا إزاء جيش الخليفة . وجاء الخليفة من الجانب الآخر وتمركز في « القلب » في حين كان يعقوب في الجانب المقابل .
ثم أمر الخليفة رجلا قوي الصوت أن يقف بين الصّفين ، ويقول بأعلى صوته : « يا معشر المسلمين ، اعلموا أن يعقوب بن اللّيث أعلن العصيان ، وأن غرضه من المجيء إلى هنا القضاء على بني العباس ، والمجيء بمخالفيهم مكانهم ، ثم تنحية أهل السنة جانبا ، وإظهار البدعة . إنّ من يخالف الخليفة إنّما يخالف رسول اللّه عزّ وجلّ ، وإن من يخرج عن طاعة رسول اللّه عليه السلام إنما يخرج عن طاعة اللّه وعن حوزة المسلمين . واللّه ، عزّ وجلّ ، يقول في محكم كتابه العزيز :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
« 6 » . والآن من ذا الذي يؤثر منكم الجنة على النار ، وينصر الحق ، ويدير للباطل ظهره فيكون معنا لا مع مخالفنا ؟ » .
لما سمع عسكر يعقوب بن اللّيث هذا الكلام ، خرج أمراء خراسان دفعة واحدة واتجهوا صوب
هامش
( 6 ) النساء : آية 59 .