وأخبره بكل ما قيل ، فأرسل إسماعيل إلى عمرو بن الليث شخصا معتمدا في الحال ، فقال له عمرو :
« قل لإسماعيل : إنك لم تهزمني ، بل إن تديّنك ، واعتقادك وحسن سيرتك ، وعدم رضى أمير المؤمنين عني ، هي التي هزمتني . إن اللّه ، عزّ وجلّ ، هو الذي سلبني الملك من جديد ، ووهبك إياه ، وأنت بهذه الهبة والنعمة والخيرات جدير . أما أنا فقد قبلت قضاء اللّه ، عزّ وجلّ ، وحكمه ، ولا أبغي لك سوى الخير . لقد صرت الآن إلى ملك جديد دون أن تكون لك خزائن وثروة ، في حين أن لي ولأخي كنوزا ودفائن كثيرة ، معي ثبت بها جميعا ، وقد وهبتك إياها كلها لتكون لك ثروة تقوي بها نفسك وتهيئ ما تحتاج إليه من عدة وعتاد ، وتملأ خزانتك » . ثم أخرج « الثبت » من كمّه وناوله الرسول ليعطيه إسماعيل . فلما جاء الرّسول إلى إسماعيل ، وأعاد على مسامعه كل ما سمع ووضع « الثبت » أمامه ، التفت إسماعيل نحو وجهاء القوم ، وقال : « إن عمرو بن الليث يريد بحنكته وذكائه أن يحرز قصب السبق على الأذكياء فيوقعهم في الفخ ويبتليهم بمحنة أبدية » . ثم تناول « الثبت » وألقى به أمام الرسول ، وقال : « أعده إليه ، وقل له : إنك تريد بما أنت فيه من جلد وذكاء أن تحرز قصب السبق على الجميع . أنّى لك ولأخيك هذه الكنوز ؟ فوالدكما كان صفّارا ، وقد ثقفتما هذه المهنة عنه . أما الملك ، فشاءت الأقدار أن تصلوا إليه عنوة وتفقدوه تهورا ، وأما كنوز الذهب والفضة فليست سوى ما سلبتموه من الناس ظلما ودون حق . إنها من أثمان ما يغزل الشيوخ والأرامل من النساء ، ومن أقوات الغرباء والمسافرين ، وأموال اليتامى والضعفاء . وسوف تسألان غدا أمام اللّه ، عزّ وجلّ ، عن كل صغيرة منها وتتحملان وحدكما عقاب اللّه وعذابه . إنك تريد الآن بذكائك ومكرك أن تلقي على كاهلنا بكل هاتيك المظالم ، حتى إذا ما جاءكما الخصوم يوم القيامة يسألون ما أخذ منهم غصبا ، تقولان لهم : « أعطينا إسماعيل كلّ ما غصبناه منكم ، فاسألوه عنه ، فتحيلانهم عليّ جميعا ، ولا طاقة لي آنذاك على جوابهم ، وعلى غضب اللّه عزّ وجلّ ، وسؤاله » . وردّ « الثبت » إليه خشية من اللّه تعالى ، ولما كان عليه من تديّن ، ولم تغرّه الدنيا الغرورة « 11 » .
فأين من هذا صنيع ولاة هذا الزمان الذين لا يخشون ، لدينار حرام واحد ، من أن يحلوا عشرة محارم ، ويجعلوا عشرة حقوق باطلا ، دون النظر في العواقب ؟ !
هامش
( 11 ) يرى عباس إقبال أن هذه الحكاية من أولها إلى آخرها أشبه بالأسطورة منها بالحادثة التاريخية . فقد جاء في المصادر التاريخية الموثوقة أن إسماعيل طلب من عمرو عشرين ألف ألف دينار مقابل إطلاق سراحه ، ثم تنازل في النهاية إلى نصف المبلغ . وبما أن أصحاب عمرو لم يرسلوا المبلغ من سجستان فقد ظل رهين الأسر إلى أن سلمه إسماعيل إلى عمال الخليفة في سمرقند ( ص 20 - حاشية 3 ) .