يعقوب بن اللّيث وخليفة بغداد
كان من جملة السامانيين أمير يدعى إسماعيل بن أحمد الذي كان عادلا « 2 » جدا ، وصاحب خصال حميدة ، منها : الاعتقاد الخالص باللّه عزّ وجلّ ، والإحسان إلى الفقراء . وكان إسماعيل هذا أميرا على بخارى ، وكانت خراسان والعراق وما وراء النهر كلها في حوزة آبائه .
ومن مدينة سجستان خرج يعقوب بن الليث واستولى على كل سجستان « 3 » ، ثم مضى إلى خراسان واستولى عليها ، وتوجّه منها إلى العراق واستولى عليها جملة . ويقال إن الدعاة « 4 » خدعوه فبايع الإسماعيلية سرا ، وضغن على الخليفة « 5 » ببغداد ، ثم جمع عساكر خراسان والعراق وتوجّه إلى بغداد للقضاء على الخليفة وتقويض أركان البيت العباسي .
لما بلغ الخليفة خبر توجّه يعقوب إلى بغداد أرسل إليه يقول : « لا شأن لك ببغداد ، فمن الصواب أن تحتفظ بمناطق العراق الجبلية وخراسان وتتصرف بها كيلا تنشب الفتن والاضطرابات ؛ فلتعد » .
لكنه لم يصدع للأمر ، وقال : « لن أعود ما لم أحقق أملا يراودني ، هو القدوم إلى البلاط والمثول بين يديكم ، وتجديد العهد لكم » .
وعلى الرغم من كثرة رسل الخليفة إلى يعقوب فإنه لم يحد عن جوابه الأول ، بل جمع العساكر واتجه صوب بغداد . وظنّ الخليفة به ظن السوء ، واستدعى عظماء العاصمة بغداد ، وقال : « أرى أن يعقوب ابن الليث شق عصا الطاعة ، وهو إنما يجيء إلينا في خيانة ، لأننا لم نستدعه ، إنه يتقدم وأنا آمره بالعودة ، لكنه لا يعود . إنه يضمر خيانة على أيّة حال ، وأحسب أنه بايع الباطنية ، لكنه لن يظهر هذا قبل وصوله إلى هنا . علينا ألا نكون في غفلة من اتخاذ الحيطة والحذر . فما ذا أنتم قائلون ؟ » . فاتفقوا على أن يخرج الخليفة من المدينة إلى الصحراء ومعه خاصته وجميع حشمه وأعيان بغداد ويعسكر فيها . فإن كان يعقوب يضمر العصيان فلن يوافقه جميع أعيان خراسان والعراق وقادة جيوشهما ، أو يرضوا عما يراود فكره ، وإذا ما أعلن العصيان فلا مندوحة لنا من حيلة نستميل بها جيشه إلينا . فإذا فشلنا في هذا وعجزنا عن الصمود في قتاله ، ستكون الطريق أمامنا ممهدة نستطيع أن نمضي معها إلى
هامش
( 2 ) لهذا كان يلقب في حياته بالأمير العادل .
( 3 ) سجستان معرب « سيستان » وهو اسم للولاية ومدينتها أيضا ( معجم البلدان ) .
( 4 ) يعني دعاة الإسماعيلية ( عباس إقبال : حاشية 1 ص 11 ) ، ويرى إقبال أن دعوى انضمام يعقوب بن الليث إلى الإسماعيلية ومبايعته إياهم ليست سوى تهمة ، لأنه لم يرد شيء في هذه المسألة في المصادر الموثوقة .
( 5 ) أي الخليفة المعتمد على اللّه العباسي ( 256 - 279 ه ) .