وهو كفيل بأن يجد بإشارة إصبع حلولا وتدابير لكثير من المشكلات . ونذكر هنا بعض آرائه وأساليبه في عدد من الأمور نماذج على هذا .
فمن الأصول المهمة التي يلحّ عليها نظام الملك ألا يسند منصبان أو أكثر إلى شخص واحد ، وألا يناط عمل واحد باثنين أيضا . ففي الحالة الأولى ، لن يستطيع ذو العملين القيام بهما ، أما في الحالة الأخرى ، فإن « وجود سيدتي بيت في المنزل مدعاة قذارته ، ووجود كبيرين لقرية واحدة مدعاة لدمارها » « 69 » . يسلط الخواجة سهام نقده على كثرة مناصب فئة معينة متنفذة في ذلك العصر ، لأن هؤلاء تسبّبوا في حرمان الأكفياء واللائقين وذوي الجلد والمعتمدين والمجربين ممن لزموا بيوتهم عاطلين دون أن يخطر ببال أحد أن يسأل نفسه : لما ذا يعهد بعدة مناصب وأعمال إلى المغمورين ممن لا كفاية لهم ولا أصل ، ويحرم الأصلاء والمعتمدون - لا سيّما أصحاب الحق على الدولة ممن قدموا لها خدمات جليلة ، وأظهروا فيها كفاية ولياقة فائقتين - حتى من عمل واحد ؟ » . ولكي يبين مضار القعود دون عمل ، وعدم رضى مثل هؤلاء العاطلين الذين قد يتّصلون بالمخالفين وينضمون إليهم ويسعون إلى قلب الأوضاع ، يضرب نظام الملك مثلا بحادثة من عهد فخر الدولة ووزيره الصاحب ابن عباد ، هي كيف أن « الكتّاب والمتصرفين » وغيرهم من الأشخاص ، الذين كان أمر معاشهم مختلا ، قد قطعوا الأمل في ملك فخر الدولة ، وراحوا يتطلّعون بآمالهم إلى الدولة المحمودية « 70 » .
وينقل قول فخر الدولة للصاحب : « فإذا ما ولي شخص واحد عملين أو ثلاثة ، فإن سبل العيش تضيق على الآخرين ، وإن حكام الأطراف ومتسقّطي عيوب دولتنا سيقولون : ألم يبق في مملكتهم رجال حتى يعهدوا بعملين إلى رجل واحد ؟ ! . ويحملوننا على عدم الكفاية والجدارة » « 71 » . ( 201 و 202 و 211 - 214 ) . على هذا الأساس ، يرى نظام الملك أنه يجب ألا تترك الأسرات القديمة وسلالة الملوك محرومة ، بل يجب أن تؤمن لهم أسباب معاشهم ليقل عدد الساخطين وغير الراضين ( 179 ) ، ويوصي ، كذلك ، بإيجاد عمل لأبناء التركمان السلاجقة وجعلهم ضمن غلمان السراي « مهما تكن الملالة والنفرة منهم » لما « قدّموه للدولة إبّان قيامها من خدمات ، وما تحمّلوه في سبيلها من متاعب ومشاقّ ، فضلا عن أنهم من ذوي القربى » « 72 » . علاوة على هذا فإنه يمكن ، عن هذه الطريق ، الإفادة من خدماتهم ، « وإزالة ما وقر في نفوسهم من نفرة » ( 131 ) .
هامش
( 69 ) المترجم : يختلف هذا المثل في النسخة التي اعتمدها الدكتور يوسفي عنه في النسخة التي اعتمدتها .
( 70 ) المترجم : نسبة إلى محمود الغزنوي .
( 71 ) بحث الأستاذ مينوي هذا الموضوع أيضا . راجع : نقد حال 238 - 239 .
( 72 ) المترجم : انظر حاشية الفصل السادس والعشرين من هذه الترجمة .