أنصفهم لكي « يخاف الظالمون ، ويكفّوا أيديهم عن الناس ، ولا يجرؤ أحد على الظلم والتمادي خشية العقاب » ( 19 ) ، ولكي يظل الملك ثابت الأساس . ويعدّ كل ما كان يقضي به نظام الملك من الحيلولة دون تجمّع المتظلّمين في القصر - في الوقت نفسه - تدبيرا آخر تجلّى به الرجل في سياسة تسيير شؤون المملكة . يقول في هذا الموضوع : « يغص القصر دائما بالمتظلّمين الذين لا يغادرونه قبل أن يتسلّموا أجوبة شكاياتهم . إن هذا قد يبعث كل رسول أو غريب يفد إليه على الظن ، حين يسمع صراخ المتجمعين وجلبتهم ، بأن ظلما عظيما ينزل بالناس . فحين يوصد الباب دون هذا ، يجب أن تجمع شكاوى أهل كل مدينة وناحية على حدّة ، وتثبت في مكان واحد . ثم يحضر خمسة منهم إلى القصر لبيان أمرهم وعرض أحوالهم ؛ ثم يتلقّون الجواب ويتسلّمون الحكم . . . وذلك للقضاء على الجلبة والضوضاء والصراخ التي لا أساس لها » ( 301 ) .
ومن البديهي أن ملكشاه لم يكن ليستطيع أن يتعهّد شؤون الملك وحيدا ؛ فعبء الوزير ثقيل إذا ، و « صلاح الملك والمملكة وفسادهما منوطان به أيضا » ( 30 ) لأنه « رأس كل العمال والمتصرفين » .
يجب أن يكون الوزير حسن الاعتقاد ، حنفيّا أو شافعيّا ، نقيّا ، كفؤا ، حسن المعاملة ، صاحب قلم ، محبّا للملك ، وإن يكن ابن وزير فذا أفضل . لأنه « متى كان الوزير سيّئا وظالما ، فإن كل العمال سيكونون كذلك ، بل أسوأ » ( 214 و 218 ) ومن أجل استقرار العدالة في المملكة ، فإن نظام الملك ، يعير اهتمامه لكل وظائف متصدّي أمور الدولة وواجباتهم ، ويبدي آراءه في كل موضوع . فالعمال أي مأمور وإيصال عائدات الدولة ، يجب أن يسلكوا مع الناس سلوكا حسنا « وألّا يحصّلوا منهم غير ما يترتّب عليهم ، وذلك بالمداراة والمجاملة » وفي وقت جني المحاصيل لئلا يضيق عليهم ، ويكون سببا في تشتيت شملهم . فإذا ما سلك عامل ما غير هذا ، يجب « استبدال آخر أليق به ، وإن كان غصب الناس شيئا دون حق فيجب أن يستردّ منه ويعاد إلى أصحابه . . . ويجب عزله وعدم إسناد أي عمل إليه بعد ذلك ، لتكون فيه عبرة للآخرين » ( 29 - 30 ) .
وكان نظام « الإقطاع » من رسوم عصر نظام الملك المهمة أيضا ؛ وكانت عادة الملوك القدامى أن يدفعوا رواتب الجيش نقدا من خزانة الدولة أربع مرات في السنة ( 126 ) . أما السلاجقة فكانوا يعطون للأشخاص قطعة أرض يرثها أبناؤهم من بعدهم ، وكان هذا يسمى إقطاعا . لكن من الناس من كان يقطع - أحيانا - قطعة أرض فيقوم على إصلاحها وإعمارها على أن يدفع عشر دخلها إلى خزانة السلطان ، ويفيد منها ما دام حيّا . أما بعد وفاته ، فتعاد إلى السلطان « 64 » ، غير أن الإقطاع الذي
هامش
( 64 ) المترجم : هذا هو الذي يقال له « إقطاع إرفاق لا تمليك » .