يرى أن دوام الدولة وراحة الخلق لا يتحقّقان إلا في ظل المذهب الشافعي فقط ، وأن الإطاحة بكل من يعتقد بغير هذا لهي من صميم الحقّ والعدالة . أما أنه كان محقّا في هذا أو غير محقّ ، فذا أمر آخر .
وعلى أية حال ، فإنه لا بدّ عند النظر في كتابه ومطالعته من اعتبار رأيه جملة دينيّا وسياسيّا .
ثمة شيء آخر في هذا الكتاب يستحق النظر ، هو نظرة نظام الملك الانتقادية لأوضاع زمانه . فقد كان لا تعجبه أشياء كثيرة من رسوم عصره وتقاليده ، هي التي رماها بسهام نقده . فهو تارة يكتب عن أمراء زمانه : « أنّهم لا يخشون ، لدينار حرام واحد ، تحليل عشرة محارم ، وجعل عشرة حقوق باطلة دون النظر في العواقب » ( 28 ) ، وطورا يقول : « ولقد غدا منصب الوكيل الخاص باليا جدّا في هذه الأيام » ( 112 ) أو « وفي هذه الأيام من يتسنّم سدّة عشرة مناصب دون أن تكون فيه أية كفاءة تذكر . وإذا ما جدّ منصب جديد ، لا يألو جهدا في اتخاذه لنفسه ولو أدّى الأمر إلى دفع المال مقابل ذلك ، فيولاه دون أن يحسب مولوه حسابا لما إذا كان أهلا لهذا العمل أم لا » ( 202 ) . ويتحدث في مكان آخر عن امتهان الألقاب : « إن أقلّ غلام تركي شأنا ممن لا يوجد ثمّة أسوأ منهم مذهبا ، وممن أحدثوا في الدين والملك ألف مفسدة وخلل ، يلقب نفسه معين الدين وتاج الدين » ( 199 . وراجع أيضا 189 و 198 ) . أما عن ضعف جهاز القضاء في ملك آل سلجوق ، فيقول : ( لو أمر أحد ملوك هذا الزمان أدنى « فرّاش » أو « ركابدار » بأن : أمثل في مجلس القضاء مع « عميد » بلخ و « رئيس » مرو لما صدع لأمره ، أو أعاره أدنى اهتمام ! ! ) ( 303 ) أعرض نظام الملك لهذه النقائص لأن ملكشاه أراد منه ذلك ( 4 ) أم لأنه رأى في أواخر أيامه نفوذ مخالفيه يزداد ، ونفوذه يتناقص تدريجيّا ؟ بعبارة أخرى ، هل هذه إشارة إلى مقولة متنطسّي العيوب - القائمة في عصرنا نحن أيضا - الذين لا يجري على ألسنتهم - وهم بعيدون عن المنصب - سوى الكلام الذي تهشّ له القلوب ، لكنهم حين يتبوّءون سدّة عمل ما ويصلون إلى السلطة ، يرتكبون أسوأ مما كانوا يعدونه قبيحا مذموما ، وكأنهم في هذا الجانب غيرهم في ذاك ، لا سيّما أن نظام الملك لم يكن في مدة الثلاثين السنة من وزارته المقتدرة دون تأثير في ظهور هذه الأوضاع ، أو أنه لم يستطع إصلاحها ؟ ليس ببعيد أنه كنّى عن نفسه في نقده الذي أورده في قصة البتكين وسبكتكين حيث يقول : « لقد هدفت من وراء هذه الحكاية أن يعلم سيد العالم - خلد اللّه ملكه - كيف يكون العبد الجيد ، الذي إذا ما قام بخدمات نافعة ، ولم تبدر منه أية خيانة أو ينكث عهدا قط ، بل كان الملك به ثابت الأساس مستحكما ، فكان بركة على المملكة ونفعا لها ، يجب ألا يكلم في فؤاده أو يصغى إلى أقاويل الناس المغرضة فيه » ( 150 ) . ويؤكد في مواطن أخرى ، أيضا ، حسن تفكيره وحبّه خير المملكة في صراحة ، فيقول : « سيتذكر سيد العالم - أدام اللّه سلطنته - مقالة
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 32
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص٣٢