الإسلامية في ذلك العصر بكل ما كان متوافرا لديه من ضروب القدرة ومقوّمات الحكومة . ترى ، أكان الإسماعيليون وأنصار ناصر خسرو يسلكون مسلك نظام الملك مع مخالفيهم لو تيسّر لهم ما كان لديه من قوة ؟ ليس هذا ببعيد .
كان نظام الملك يعدّ الشيعة أو « الرافضة » - على حدّ قوله - والإسماعيلية ، سياسيّا ومذهبيّا ، من خصوم المملكة والدين الذين لا سبيل إلى مهادنتهم ، وذهب إلى أن أصلهم وأصل المزدكية والخرمدينية واحد . هكذا قضى عمره كله سعيا في دفعهم . لقد عدّهم في كتابه - ما أتيح له المجال وواتته الفرصة - ضالين غواة ، ولم يتورّع عن سبّهم وإلصاق كلّ أنواع التهم بهم « 57 » ، وأن تصرفه مع فقهاء الشيعة في الري لنموذج على شدّة مسلكه في هذا الأمر . تأمل هذه الرواية : « ولما كان عهد ملكشاه الكريم - سقاه اللّه رحمته - استطاع نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق أن يتبيّن سر عقيدتهم - أي فقهاء الشيعة - فأذلّهم جميعا ، وكان كلما ادعى أحدهم في الري أنه عالم من مثل :
حسكا بابويه ، وأبي طالب بابويه ، وأبي المعالي الأمانتي ، وحيدر الزيارتي المكي ، وعلي العالم ، وأبي تراب الدوريستي ، وأبي المعالي بخارجر ، وغيرهم من الرافضة ، كان يأمر بإصعادهم إلى المنابر حاسري الرؤوس ، وأن يقال لهم باستخفاف ودون أن تراعى لهم أية حرمة : أنتم أعداء الدين الذين يلعنون السابقين في الإسلام . إن شعاركم شعار الملحدين ، آمنوا . فكانوا يؤمنون طوعا أو كرها ، ويعلنون نفرتهم من مقالة الرافضة » « 58 » . من هذه الخشونة يتّضح السبب الذي كان نظام الملك من أجله يضع الشيعة ، أيضا ، في مصافّ المجوس واليهود من حيث عدم لياقتهم وصلاحيتهم لأن يكونوا في سلك خدمة الدولة ( 303 ) . لقد كانت آفاق دولة السلاجقة محظورة على الشيعة . حتى في عهد ألب أرسلان ، لما ظنّ رسول « خان » سمرقند خطأ أن نظام الملك رافضي ، ونقل هذا إلى مخدومه ، كتب الخواجة : « وعلى الرغم من براءتي التامة ، فقد أنفقت ثلاثين ألف دينار طوعا ، وبذلت هدايا وأعطيات كثيرة حتى لا يصل هذا الكلام إلى السلطان » ( 124 ) ، إذ كان ممكنا أن يبتليه السلطان بالبلاء عينه الذي كان ينزله الوزير نفسه بالرافضة . لذا نجد الخواجة يطري مسلك محمود ومسعود الغزنوي وطغرل وألب أرسلان ، الذي يقضي بإبعاد الشيعة عن القصر ( 203 - 205 ) ثم إنه - بهذه المناسبة - يجد مجالا واسعا لنقل روايات كثيرة ضد الرافضة ( 205 - 208 ) ، حتى قيام يعقوب بن الليث - الذي خرج على الخليفة العباسي - يمكن أن يكون له - في زعمه - صبغة شيعية وباطنية
هامش
( 57 ) راجع الكتاب لا سيّما ص 260 - 298 .
( 58 ) كتاب النقض 105 لعبد الجليل القزويني الرازي . تحقيق سيد جلال الدين حسيني « محدث » . طهران 1331 شمسي .