تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
والاجتماعية . معنى هذا أن الرجل نظر إلى كل موضوع من وجهة نظره الخاصة ثم أبدى فيه رأيه . فالحقيقة ، إذا ، أنه يمكن رؤية انعكاسات أفكاره في كل ناحية وموضوع . أكثر من هذا ، فلقد قيل إن نظام الملك كان رجلا ذا تربية دينية يتمسّك بعقائده هو . ولقد ذكر كل الذين كتبوا عنه أنه كان من أهل الطاعة والعبادة ، وأنه كان يوصي أبناءه بهما وبتعظيم علماء الدين والاعتناء بهم « 53 » . حتى إنه عدّ في الحديث له مع ملكشاه - فيما تذكر إحدى الروايات - الإنفاق على الفقراء والمساكين والعلماء والفضلاء أكثر تأثيرا في بقاء الملك واتساعه من زيادة رواتب الجند « 54 » . لقد كانت المسائل الدينية عادة منشأ كثير من أحداث هذا العصر المهمة من تحالف واختلاف ، حتى الخصومات ونزيف الدم والحروب . ولقد كان هوى نظام الملك ، من هذه الناحية ، مع ما كان يعتقد به ، أي مذهب الشافعية وأصول الأشعرية . قال هندو شاه النخجواني : « كان الخواجة نقي الاعتقاد جدا ، ومسلما حقيقيا يفكر في آخرته أكثر من دنياه » . وإذا ما صحّ ما قيل عنه : « إنه خطر بباله أن يكتب وثيقة عن كيفية عيشه مع عباد اللّه تعالى يشهد عليها العلماء وأئمّة الدين ، ثم توارى هذه الشهادة معه في التراب » « 55 » يكون لنا فيه شاهد آخر على نمط تفكيره . إن أكثر ما يروى عنه من حكايات وأخبار تحمل صبغة دينية ، وإن أحواله وتصرفاته فيها تجعل منه شخصا مذهبيا تقيّا كان يتمنى - وهو في أوج قدرته - حياة البقالين وعيشهم « 56 » . لم يكن نظام الملك متمسكا بما كان يعتقد به حسب ، إنما كان متعصبا ضيق المشرب ينفي كل شيء يخالف عقائده الدينية ويردّه ، وكان يرى وهو في كرسي الوزارة أن مصلحة الملك والأمة في السعي لمحو أتباع الفرق الإسلامية الأخرى لا سيّما الشيعة الإسماعيلية . وكانت حياته العملية أيضا كفاح ثلاثين سنة في سبيل تحقيق أفكاره والوصول إلى أهدافه . إنه لصحيح أن التعصب الشديد في هذا العصر أرخى سدوله على كل شيء ، إذ كان كل من يسير في طريق معينة يحسب الآخرين على خطأ . فناصر خسرو أيضا ، على ما له من مقام رفيع في أدبنا وثقافتنا ، ليس براء من التعصب الشديد لعقائده . لكنّ ثمة فرق - في الحقيقة - بين شخص مثله قوى الإيمان كان يصارع ضد قوى عصره ، ونظام الملك الذي كان يعمل تعصبه في حق مخالفيه لا في منطقة محدودة ، إنّما في أهم الممالك
هامش
( 53 ) نسائم الأسحار 49 ؛ وآثار الوزراء 207 ، 212 ، 216 . ( 54 ) دستور الوزراء 19 - 20 للواعظ الأسترآباذي . ( 55 ) تجارب السلف 277 ، ودستور الوزراء ( خوندمير ) 167 - 168 . ( 56 ) راجع مثلا : السبكي ، طبقات الشافعية 3 : 141 ؛ وتجارب السلف 286 ، 269 ، 271 ؛ ودستور الوزراء ( خوندمير ) 162 - 163 و 164 .