أعدّ الكتاب ، وعرضه - بعد مقتل الخواجة ومقتل ملكشاه - على محمد بن ملكشاه ( 492 - 511 ه ) لأن الزمان كان يقتضي ذلك . فالكتاب ، إذا ، لم يكن ما كتبه نظام الملك عينه ، بل إن المغربي أحدث فيه بضعة تغييرات ، وفي الحقيقة أنه دوّن بعد مقتل نظام الملك . على أية حال ، فإن ما بقي لنا منه اليوم ، على ما بين ثناياه من تغييرات ، لأهم ذكرى ، وأحسن وثيقة عن عصر نظام الملك ، وطريقة تفكيره ، وكيفية حكمه .
يقع الكتاب في خمسين فصلا في موضوعات شتى . إنه لمن الطبيعي ألّا ينظر إليه على أنه كتاب تاريخ محض ، لا سيّما أنه دلفت إليه بعض الأخطاء التاريخية « 50 » ، لكنه يمكن أن تستنبط منه فوائد تاريخية جمّة « 51 » ذات أهميّة أكثر من أهمية آثار نظام الملك الأخرى من مثل وصاياه ، أو « دستور الوزارة » ، و « قانون الملك » الذي ينسب إليه .
إن كل فصل من فصول كتاب « سير الملوك » الخمسين وموضوعاته المختلفة تكشف بوضوح تام عن ناحية من أوضاع الحكم ، وأجهزة الإدارة ، والطبقات الاجتماعية ، ورسوم ذلك العصر ، وتقاليده وآدابه . فالكتاب من هذه الناحية غنيمة كبرى . من هذا القبيل ما ورد فيه عن المسائل الآتية : الإقطاع ( 41 ) ، وأهمية عمل القضاة وحدود اختياراتهم ( 53 ، 56 ) ، والمحتسب وأعماله ( 56 ) ، والمشرفون « 52 » وواجباتهم ( 78 ) ، وأهمية عمل صاحب الأخبار والعيون ( 79 - 80 ) ، وإرسال الجواسيس ( 94 ) ، وإرسال الرسل ( 110 ) ، والحيطة في إصدار الأوامر السلطانية في السكر والصحو ( 111 ) ، والوكيل الخاص ( 112 ) ، والندمان وشروط المنادمة ( 113 - 115 ) ، والمختارون وأسلحتهم ومعدّاتهم ( 118 ) ، والأسلحة المرصّعة للمراسم الخاصة ( 119 ) ، وأحوال الرسل ودقّة مهامهم ( 121 - 122 و 124 ) ، والرهائن والاحتفاظ بهم في القصر ( 130 ) ، وتربية غلمان السراي ( 133 ) ، وتنظيم المقابلات الخاصة والعامة ( 151 ) ، وتنظيم وقوف العبيد والخدم حين الخدمة ( 155 ) ، وتجمّل المعروفين ( 156 ) ، وأمير الحرس ومكانته عند الناس ( 172 ) . . .
علينا - بطبيعة الحال - أن نأخذ بعين الاعتبار أن ما نقرأ في هذا الكتاب ليس سوى نموذج لنمط فكر نظام الملك ورأيه ، وبعبارة أخرى إدراكه واستنباطه لمسائل ذلك العصر السياسية
هامش
( 50 ) المترجم : أشرت في هوامش ترجمتي هذه إلى كل الأخطاء التاريخية التي أخذت على المؤلف ، ونبّهت على ما استخلصته أنا نفسي .
( 51 ) عباس إقبال : سياستنامه ( المقدمة ص ط ) ، وتاريخ أدبيات در إيران 2 : 906 .
( 52 ) المترجم : راجع الفصل التاسع من هذه الترجمة وتعريف « المشرف » فيه .