بالغارة والغنائم قبل أن نرتاح بالا من الأفشين وجيشه نهائيا » . ومضى الخيالة مع بابك في إثر الأفشين ، أما الرجالة ، فعاثوا في المعسكر نهبا . حينئذ ، خرج العشرون ألف خيال من جيش الأفشين من وراء الجبال عن اليمين وعن اليسار ، وإذا الصحراء تموج بالخرمية ، فاستلموا طريق الوادي وقطعوها عليهم أولا ، ثم شرعوا سيوفهم . وعاد الأفشين بعشرين ألف خيال فأحاطوا ، بهذا ، بابك وجنوده ، ولم تفلح كل محاولاته في الوصول إلى سبيل للفرار . ولما وصل الأفشين قبض على بابك ، وظل جنده يعبثون في الخرمية قتلا إلى صلاة العصر حتى ناف ما قتل منهم على ثمانين ألف رجل . ثم ترك الأفشين على قلعة بابك غلاما بعشرة آلاف خيّال وراجل ، وعاد هو بالأسرى وبابك إلى بغداد التي أدخلوه إليها موسوما بعلامة خاصة . ولما وقعت عين المعتصم عليه ، قال : « أيها الكلب ، لما ذا أضرمت نار الفتنة في الأرض ؟ ولم قتلت آلاف المسلمين ؟ ! » ، فلم ينبس بابك ببنت شفة . وأمر المعتصم بقطع يديه ورجليه جميعا . ولما قطعوا إحدى يديه ، وضع يده الأخرى في الدّم ولطّخ به وجهه إلى أن صيّره أحمر كلّه . فقال المعتصم : « يا كلب ، أي علم هذا أيضا ؟ » . قال بابك : « إن في هذا لحكمة » . فقيل له : « قل . أية حكمة هذه ؟ ! » . قال : « إنّكم تريدون قطع يديّ ورجليّ جميعا . إن الدم هو الذي يجعل وجنات الناس حمرا ، لكنه حين ينفد من الجسم يصفرّ الوجه . وأنا إنما حمّرت وجهي بالدم ، كي لا يقال - حين ينفد دمي - إن وجهه غدا أصفر خوفا وخشية » .
وأمر المعتصم بسلخ جلد ثور بقرنيه ، وأن يؤتى به طريّا . ولما جيء به ، وضع بابك فيه بحيث ظهر فيه قرنا الثور بمحاذاة أذنيه ، ثم خيط الجلد ؛ ولمّا جفّ علّقوه وعرضوا بابك فيه حيا على هذا النحو إلى أن مات ميتة شنعاء .
إن أمر بابك من بدء خروجه إلى القبض عليه يتسع لمجلد كبير جدا . ولقد سئل أحد جلاديه بعد أسره : « كم شخصا قتلت ؟ » . قال : « كان لبابك عدة جلادين . أما عدد من قتلتهم أنا فثلاثة وثلاثون ألف مسلم ، فضلا عمن قتل الجلادون الآخرون من المسلمين في ساحات القتال » .
* * * لقد تمّت على يد المعتصم ثلاثة فتوح وانتصارات كانت كلها قوة للإسلام وحصنا : أولها فتح بلاد الروم ، وثانيها قضاؤه على بابك ، وثالثها وآخرها انتصاره على « المازيار » « 12 » المجوسي بطبرستان . ولو أن أحدها لم يتم لفتّ في عضد الإسلام كثيرا .
هامش
( 12 ) راجع عن ثورة المازيار : حسن إبراهيم حسن : تاريخ الإسلام السياسي 2 : 98 - 99 .