وأعيانهم لحربهم ، وأطبقوا عليهم من ثلاثة جوانب ، وهزموهم ، وأسروا نساءهم وأبناءهم وحملوهم إلى المدينة واتخذوهم عبيدا ، لكنهم ضربوا رقاب البالغين من الأبناء ، وألقوا بهم في الآبار .
بعد هذا بست سنوات ، تفرّغ المعتصم للخرمية ، وندب الأفشين لحرب بابك ، فقاد الأفشين الجيوش ومضى بهم إليه . وهبّ الخرمية والباطنية لنجدة بابك من كل حدب وصوب . وباختصار ، فقد ظلوا يحاربون إلى جانبه سنتين دارت في خلالهما رحى معارك طاحنة بين الأفشين وبابك ، وقتل فيها عدد لا يحصى من الجانبين . ولجأ الأفشين ، في النهاية ، إلى الحيلة ففرق أكثر عسكره الذين قوضوا خيامهم في عتمة الليل البهيم ، وتراجعوا فرسخين ، وحطوا الرّحال هناك . ثم أرسل إلى بابك من يقول له : « ابعث إليّ برجل عاقل مجرّب من رجالك لأكلمه في أمور فيها مصلحة الطرفين معا » .
فأرسل إليه بابك رجلا قال له الأفشين : « قل لبابك : إن لكل أمر نهاية ، وإن رأس الآدمي ليس كراثا ينمو من جديد إذا ما قطع . لقد قتل أكثر رجالي ، ولم يبق حتى واحد من كل عشرة منهم ، وهكذا الحال - فيما أعلم - بالنسبة لرجالك . هيا بنا نتصالح ، فتقنع أنت بالولاية التي في حوزتك وتتربع عليها بأمن وسلام ، وأعود أنا ، لأحصل لك على عهد أمير المؤمنين بالولاية ، وأرسله إليك ، وإلّا فتعال نتحارب من جديد لنرى لمن يكون الظفر » .
وخرج الرّسول من عند الأفشين ، وهو يسرّح النظر في شتى الجهات ليرى حد الجيش ، لكنه لم ير سوى جنود خفاف ، كأنهم يمتطون أجنحة الهزيمة . ولمّا عاد إلى بابك ، نقل إليه مقالة الأفشين وأخبره عن قلّة عدد الجيش ، فإذا هي الأخبار عينها التي أنهاها عيون بابك إليه . واتّفق بابك ورهطه على أن يشعلوها حربا شعواء بعد ثلاثة أيام . أما الأفشين ، فأرسل إلى جيوشه التي كان قد أمرها بالتراجع ، يقول : « تعالوا يوم النزال ليلا ، واختبئوا على بعد فرسخ ونصف من على يمين الجبال والأودية ويسارها . وحين أتظاهر بالهزيمة وابتعد عن الجيوش مسافة بعيدة ، فإن قسما من جيش بابك سيلاحقني ، ويتفرغ القسم الآخر للإغارة على المعسكر ونهبه . حينئذ اخرجوا من وراء الجبال ، واستلموا طريق الوادي لئلا يتمكنوا من العودة والوصول إليه ، وسأعود حين ذاك » .
وفي يوم الحرب ، أخرج بابك جيشه من المضيق ، وكان عدده أكثر من مائة ألف خيال وراجل ، فبدا جيش الأفشين حقيرا ضئيلا في أعينهم ، لأنه كان قليلا بالنسبة لما كانوا قد رأوه من جيوش . ودارت المعركة ، وحارب الجانبان بضراوة وقتل منهما عدد كبير . فلما رنّحت شمس الأصيل إلى المغيب لاذ الأفشين بالفرار عمدا ، ولما ابتعد عن المعسكر فرسخا ، قال لحامل الراية : « قف وانصب الرّاية هنا » .
وأخذ كل من يصل إلى هذا المكان من الجند يتوقف عنده . أمّا بابك ، فقال لجنده : « لا تشغلوا أنفسكم
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 276
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص٢٧٦