تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
فأرسلوه إليه . ولما قرأ الكتاب أضحى كأنه كلب ضار ، فدعا كلّ من كان في البحرين والأحساء من الشباب وعشاق السلاح : « هلمّوا إليّ ، فإن لي بكم حاجة » . كان ذلك قبيل موسم الحج ، فتجمع حوله خلق لا يحصون عدّا مضى بهم إلى مكة ووصل في وقت أداء الفريضة ، وقد كان الحجيج محرمين ، فأمر رجاله أن : « اشرعوا سيوفكم واقتلوا كل من تصادفونه ، وأطلقوا أيديكم بالمكيين والمجاورين » . واستلوا سيوفهم ، وأعملوها في الناس قتلا . فلما رأت الخلائق هذا فزعت إلى داخل الحرم ووضعت المصاحف أمامها . أما المكيون فهرعوا إلى السلاح ، وتأزّر كل من كان لديه سلاح به ومضى إلى ساحة الوغى . فلما رأى أبو طاهر الأمر على هذه الحال ، أخرج إلى وسط ساحة القتال رسولا يقول : « لقد جئنا للحج لا للقتال . وكان الذنب ذنبكم إذ أفسدتم علينا إحرامنا وقتلتم واحدا منا دون ذنب ، فاضطررتمونا إلى حمل السلاح . وإذا ما ذاع في العالم أن المكيين يتأبطون الأسلحة ويعبثون في الحجيج قتلا ، يعزف الناس عن الحج ، وتوصد طريقه ، وتسوء سمعتكم . لا تفسدوا علينا حجنا ، بل دعونا نؤدي الفريضة » . وخيّل للمكيين صدق قوله ولم يستبعدوا أن أحدا قد تحرش بهم ، فشهر سلاحه عليهم وقتل واحدا منهم . واتفقوا على أن يعيد الجانبان السيوف إلى أغمادها ، وأقسما بالقرآن الكريم يمينا لا رجعة فيها بألا يعودا إلى القتال ثانية ، وأن يتراجع المكيون ويعيدوا المصاحف إلى أمكنتها في الحرم ، ليتمكن الجانبان من زيارة الكعبة وتأدية مناسك الحج . وأقسم المسلمون من المكيين والحجّاج ، كما أقسم أبو طاهر ورجاله - وفق إرادتهم - ثم تراجعوا وألقوا السلاح . وعاد المكيون ، ثم أعادوا المصاحف إلى أماكنها ، واستأنف الحجيج تأدية مناسكهم وطوافهم . ولما رأى أبو طاهر أن حملة السلاح قد تفرقوا ، أمر أعوانه أن : « هبوا إلى السلاح ، واندفعوا إلى الحرم ، واقتلوا كل من تلقونه في داخله وخارجه » . واندفعوا بسيوفهم ورماحهم إلى الحرم بغتة ، وأخذوا يقتلون كل من يجدونه في طريقهم إلى أن قتلوا المجاورين جميعا ، وخلقا كثيرين غيرهم . وجعل الناس يلقون بأنفسهم في الآبار ، ويفرون إلى رؤوس الجبال خوفا من السيف . أخرج القرامطة الحجر الأسود من الكعبة ، وصعدوا إلى سطحها ! وخلعوا ميزابها الذهبي ، وهم يرددون : « لقد صار ربكم إلى السماء ، وخلّى بيته - الكعبة - نهبا مضاعا في الأرض . انهبوه ودمروه » . ثم نزعوا كسوة الكعبة عنها ، ونهبوها قطعة قطعة ، وهم يرددون ، باستهزاء ، بعض الآيات الكريمة
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً . .
« 76 » و
. . وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
« 77 » . ويقولون أيضا : « لما ذا لم تأمنوا شر
هامش
( 76 ) آل عمران : آية 97 . ( 77 ) قريش : آية 4 .