تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
وترك النخشبي نخشب إلى بخارى ، وأخذ يجالس فيها هو وثلّته الأعيان والعظماء يدعوهم إلى مذهبه ، وكان يأخذ على كل من يستجيب له عهدا بأن : « لا تبح بشيء لأحد ما لم أقل لك » . وكان النخشبي يدعو الناس إلى الشيعة أولا ، ثم يجرهم تدريجيا إلى « السبعية » إلى أن دخل في مذهبه رئيس بخارى وصاحب خراجها ، ووجوه المدينة وتجارها . وأدخل في مذهبه أيضا « حسن ملك » الذي كان من خاصة الأمير ووالي « إيلاق » « 35 » ، وعليّا الزرّاد الذي كان الوكيل الخاص . ولقد كان أكثر من ذكرنا من مقربي الأمير ومعتمديه . وبعد أن كثر أتباع النخشبي ، وجّه اهتمامه إلى الأمير نفسه ، فأوعز إلى خاصته بأن يذكروه بالخير أمام نصر بن أحمد في صحوه وسكره . وذكره أولئك مرات أمام نصر الذي أنابهم بأن ينقلوا إليه أنه - أي نصر - يرغب في رؤيته ولقائه . ثم مضوا به إلى نصر ، وأخذوا يشيدون بعلمه ويثنون عليه أمامه ، حتى شغف به أمير خراسان فقربه وأعزه . وكان النخشبي يلقي على مسامع الأمير شيئا من مقالته في كل مرة يجلس إليه . وكان الندماء والمقربون - ممن اتبعوا مذهبه - يكيلون له عبارات المدح والاستحسان والإعجاب كلما فاه بشيء ، ويقولون : « هذا هو الصّحيح » . وأخذ نصر بن أحمد يكرمه ويرفع من قدره أكثر فأكثر يوميا ، حتى إنه أضحى لا يطيق دونه صبرا . وباختصار ، فقد انتهى الأمر باستجابة نصر بن أحمد لدعوته ، وهيمنة النخشبي ونفوذه حتى أصبح تعيين الوزراء وتنحيتهم رهن إرادته . وراح الأمير ينفّذ كل ما يقول . ولما وصل النخشبي إلى هذا الحد جاهر بدعوته ، فسانده أتباعه وأظهروا مذهبهم علانية ، وازدادوا قوة وجرأة ، وصار الأمير يجالس السبعيين . غير أنّ الترك وقادة الجيش لم يرق لهم أن يتحول الأمير إلى القرمطية ، فقد كان لقب قرمطي يطلق في تلك الأيام على من يعتنق هذا المذهب . أما علماء المدينة وضواحيها وقضاتها فجمعوا أنفسهم ، ومضوا جميعا إلى القائد الأعلى للجيش ، وقالوا له : « حذار حذار ، فالإسلام في ما وراء النهر في محنة وضياع . لقد أضل هذا النخشبي الحقير الأمير وجعله قرمطيا ، وحرف الناس عن سبيل الحق . ولقد آل أمره إلى حد يدعو فيه الناس إلى مذهبه جهارا وعلانية . لا نستطيع أن نلوذ بالصمت أكثر من هذا » . فقال : « إنّي شاكر لكم هذا . عودوا واهدءوا بالا . فسيأتي اللّه تعالى بما فيه الصلاح إن شاء اللّه » .
هامش
( 35 ) إيلاق : كانت من مدن بلاد الشاش المتصلة ببلاد الترك . ( معجم البلدان ) . ويقال إنها مدينة كانت تقع بين فرغانة وطشقند الحالية على بعد عشرة فراسخ ( 60 كيلومترا ) من الأخيرة . ( عباس إقبال : حاشية 2 ص 267 ) .