مخلاة . ثم قال نوح لأبيه : « لنركب نحن الاثنين ونذهب - والمخلاة معنا - إلى قصر القائد الآن .
ولتتنح أنت عن العرش أمام الجيش ، وتجعلني وليا للعهد ، لأتولى جوابهم عنك ، لكي يظل الملك في بيتنا . إن الجيش لن يكون على وفاق معك بعد الآن ، وإنّك ستنجو بهذا من قتلهم وتموت موتا عاديا » . وركبا ، ومضيا إلى قصر القائد على وجه السرعة . والتفت قادة الجيش ، فإذا الأمير وابنه يدخلان القصر . فنهضوا جميعا ، وتقدموا إلى الأمام ترحيبا بهما ، ولم يكن أحد يدري بما جرى . وقالوا :
ربّما رغب الأمير في حضور الحفل . ونهض نصر بن أحمد وجلس في مكانه ، ووقف حملة السلاح من خلفه ، وجلس نوح من عن يمينه ، وقال : « اجلسوا جميعا ، وأتموا طعامكم » . فجلسوا وعاودوا الأكل ، فالتهموا ما على الخوان . فقال نصر بن أحمد : « اعلموا أنني قد أبلغت بما حاكته أيديكم وتواطأتم عليه . فنفرت منكم لأنكم كنتم تبغون قتلي . إن قلوبكم مني نافرة ، وأنتم ضاغنون عليّ الآن ، ولن تأمنوا بعد اليوم جانبي ، أو آمن جانبكم . فإذا ما كنت قد حدت عن جادة الحق ، أو اعتنقت مذهبا سيئا ، أو بدا مني ذنب ، وهو ما جعلكم تتوقدون عليّ غيظا ، فها هو ذا ابني نوح . أفيه عيب ؟ » . قالوا : « لا » فقال : « لستم بعد الآن جيشي ولست أميركم » . لقد جعلت نوحا وليّا لعهدي ، وهو الآن أميركم . أما أنا فسأشغل نفسي - سواء كنت على صواب أم باطل - باستغفار اللّه ، عزّ وجلّ ، والتوبة إليه ؛ وأمّا من حملكم على ما أنتم فيه ، فقد نال جزاءه » . وأمر بإخراج رأس القائد من المخلاة ووضعه أمامهم ، ثم نزل من على سريره ، وجلس على المصلى » . وتحول نوح إلى السّرير ، وجلس مكان أبيه .
دهش قادة الجيش ، فأخذتهم الحيرة لما سمعوا ورأوا ، ولم يأتوا بأيّ عذر وحجة ، بل انحنوا لنوح وهنئوه تهنئة خالصة ، وألصقوا الجرم كله بالقائد الأعلى ، وقالوا : « أنت سيدنا ، ونحن مواليك ، فالأمر لك » . فقال نوح : « لتعلموا أنني ، في كل شيء ، نوح لا نصر . لقد فات ما فات ، وحملت خطأكم هذا محمل مائة صواب . سأحقق لكم كل رغباتكم ، فاصدعوا لأمري ، وانصرفوا إلى شئونكم ومعاشكم حسب » . ثم طلب قيدا ، وأمر بوضعه في رجليّ أبيه ونقله إلى « قهندز » « 38 » حالا ، وحبسه فيها . ثم قال : « والآن ، هيا بنا إلى الشّراب » .
ولما جلسوا إلى الشّراب ، وشرب كل منهم ثلاثة أقداح ، قال نوح : « كنتم قد عقدتم العزم ، بعد أن تشربوا ثلاثة أقداح ، على أن تنهبوا كل ما في المجلس . إنني لا أرتضي النهب ولا آمر به ، لكنني وهبتكم كل ما فيه هبة ، فخذوها جميعا وتقاسموها ، كل حسب مرتبته ، لينال كل واحد منكم نصيبه
هامش
( 38 ) قهندز : معرب « كهندز » . أي قلعة قديمة عتيقة ( انظر : ترجمة الشاهنامة 2 : 343 ) .