ومضى خلف إلى الري ، وأقام في قرية « كلين » « 7 » في ناحية « بشاوية » « 8 » ، وأخذ يشتغل بالطرازة « 9 » التي كان أستاذا فيها . ومكث ثمة مدة لم يستطع أن يفضي فيها بأسراره لأحد ، إلى أن تمكن بعد جهد جهيد « 10 » من أن يستميل إليه شخصا لقّنه أصول المذهب ، مدعيا أنه مذهب أهل البيت وأنه سريّ .
لكنه سيعلن على الملأ بظهور « القائم » « 11 » ، وإن ظهوره لقريب . عليك أن تتعرف على هذا المذهب ، لئلا تكون جاهلا به حين يظهر المهدي . ثم أخذ أهل القرية يثقفون هذا المذهب ، إلى أن تصادف وسمع كبير قرية « كلين » ، وهو يتجول خارجها يوما ، صوتا يخرج من أنقاض مسجد هناك ، فاتّجه نحوه وأخذ ينصت إليه ، فإذا خلف يشرح مذهبه - مذهب القرامطة - إلى أحد الرجال .
لما عاد كبير القرية ، قال لأهلها : ( أيها النّاس ، أفسدوا على هذا الرجل أباطيله وترهاته وأحبطوها ، ولا تلتفوا حوله ، فإنّني أخشى ، بما سمعت منه ، أن يكون دمار هذه القرية على يديه . إن خلفا هذا ألكن لا يقوى على تلفظ حروف : الطاء ، والراء ، والحاء . فلقد سمعته يقول : « هذا باب باتنه الرهمة » « 12 » .
ولما علم خلف بوقوف الناس على حقيقة أمره ، فرّ من تلك القرية إلى الري ، وفيها مات . وكان قد تمكن من أن يجر بعض أهل « كلين » رجالا ونساء إلى مذهبه . وخلفه ، بعد موته ، ابنه أحمد بن خلف الذي اقتفى خطى والده ، دون أن يعلم أحد بالري بأمرهم ، حتى اهتدى أحمد إلى رجل اسمه « غياث » كان حاذقا جدا بالنحو والأدب فجعله خليفته في الدعوة .
شرع غياث هذا يوشي أصول مذهبهم بآيات من القرآن وأخبار الرسول وأمثال العرب والشعر . وألّف كتابا باسم « البيان » ذكر فيه معاني الصلاة والصوم وألفاظ الشرع على نحو ألغاز ومعميات « 13 » . ثم دخل في مناظرة أهل السنة . وشاع في قم وكاشان وآبه هذا الخبر : « لقد ظهر في
هامش
( 7 ) كلين ( بضم الكاف ) : قرية كانت المرحلة الأولى من الري لمن يريد « خوار » على طريق الحج ( معجم البلدان - كلين ) .
( 8 ) بشاوية : معرب « بشايويه » الفارسية : القسم الجنوبي من ناحية غار الواقعة في حوض نهر شور ونهر كرج . ومركزها المعروف قرية « محمد علي خان » على بداية طريق قم - طهران . ( فرهنگ فارسي ) . يقال إنها ما زالت تعرف بفشاوية . ( بلدان الخلافة الشرقية 251 ) .
( 9 ) يقال إن الكلمة فارسية الأصل . ( اللسان - طرز )
( 10 ) الاصطلاح الفارسي هو : « به هزار حيلت » وترجمته الحرفية : « بألف حيلة » .
( 11 ) القائم : لقب المهدي المنتظر .
( 12 ) تحريف لقوله تعالى :. . . لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ . . .( الحديد : آية 13 ) .
( 13 ) ترجمت هذه العبارة عن نسخة إقبال ( ص 262 ) بعد أن وضح عدم سلامة أصلها في النسخة المعتمدة ، وفي نسخة دارك أيضا . فهي فيهما : « ودر آن كتاب معنى نماز وروزه ولغتهاى شرعي بر طريق لغت ياد كرد » . وهي في نسخة إقبال : « ودر آن كتاب . . . بر طريق لغز ياد كرده » . فقد تكون « لغت » صحفت عن « لغز » . ولما استشرت صديقي الأستاذ الدكتور غلام حسين يوسفي في الأمر ، وافقني على ما ذهبت إليه وأقره .