وراح يعرض عليه أقولا عن رموز حروف المعجم على لسان الأئمة مشوبة بشيء من كلام أهل الطبائع « 2 » وألفاظ الفلاسفة ، وقد أكثر فيها من ذكر الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، والأنبياء - عليهم السلام - ، والملائكة ، واللوح والقلم والعرش الكرسي . ثم افترقا ، فاتجه مبارك إلى الكوفة ، ومضى عبد اللّه نحو قوهستان العراق في طلب أهل التشيّع .
لقد كان موسى بن جعفر سجينا « 3 » ، في حين مضى مبارك في نشر دعوته سرّا حتى نشرها في سواد الكوفة .
وأطلق أهل السنة على بعض من استجابوا لدعوته لقب « المباركية » وعلى بعضهم الآخر « القرمطية » . أما عبد اللّه بن ميمون فكان يدعو الناس إلى هذا المذهب في قوهستان العراق وكان مشعبذا بارعا ، وأستاذا في الشعبذة « 4 » وإجرائها . قد أورد محمد بن زكريا اسمه في كتاب « المخاريق » « 5 » وعده في جملة أساتيذ الشّعبذة . واستخلف عبد اللّه بن ميمون رجلا اسمه « خلف » « 6 » ، وقال له : « امض إلى الري ، وادع إلى الشيعة ، فالناس في الري وقم وكاشان رافضة كلهم ، وسيستجيبون لدعوتك سريعا ، فيعظم أمرك ثمة ويعلو شأنك » . أما هو فتوجه إلى البصرة خوف البلية .
هامش
( 2 ) أهل الطبائع : هم الفلاسفة الدهريون الذين ينكرون وجود اللّه ، ويحلّون الطبيعة أو الدهر محله . ( عباس إقبال :
حاشية 2 ص 260 ) .
وفي القرآن الكريم :وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ( الجاثية : آية 24 ) .
( 3 ) هذه العبارة تؤكد الاضطراب والتحريف اللذين نبّهت عليهما في بداية هذا الفصل ، مما لا يدع مجالا للشك في أن كلمة « موسى » قد سقطت من النسخ الخطية .
( 4 ) شعبذة ( بالذال المعجمة ) معرب : « شعبدة » ( بالدال المهملة ) الفارسية ( انظر : فهرست ابن النديم 369 ) . لكنها في عربية اليوم : « شعوذة » .
( 5 ) لم أجد هذا الكتاب في ثبت كتب الرازي في فهرست ابن النديم . يذكر دارك نقلا عن حواشي الترجمة الإنجليزية لكتاب « چهار مقاله » أن اسمه الكامل : « مخاريق الأنبياء » أو « حيل الأنبياء » وهو من كتب الرازي المغرقة في الكفر ، ومن الكتب الأثيرة لدى القرامطة . ( تعليقات دارك 343 ) ، وترجمته الإنجليزية لكتاب سير الملوك هذا ص 214 ) . وجاء في ثبت كتبه في « عيون الأنباء في طبقات الأطباء » ( 2 : 359 ) ما يلي « كتاب فيما يرومه من إظهار ما يدعي من عيوب الأولياء » . وقد علّق ابن أبي أصيبعة عليه ، فقال : « وهذا الكتاب إن كان قد ألف ، واللّه أعلم ، فربما أن بعض الأشرار المعادين للرازي قد ألفه ونسبه إليه ، ليسيء من يرى ذلك الكتاب أو يسمع به الظن بالرازي ، وإلّا فالرازي أجل من أن يحاول هذا الأمر ، وأن يصنّف في هذا المعنى ؛ وحتى إن بعض من يذمّ الرازي ، بل يكفّره كعلي بن رضوان المصري وغيره يسمون ذلك الكتاب ( كتاب الرازي في مخاريق الأنبياء ) » .
( 6 ) هو خلف الحلاج الذي كان صاحب محلجة قطن ( دولة الإسماعيلية في إيران . حاشية 2 ص 44 نقلا عن مخطوط كتاب « كنز الدرر وجامع الغرر » لأبي بكر محمد بن أيبك . الجزء السادس ، ورقة 66 ) . وقد أشار ابن النديم إليه دون أن يذكر اسمه ، فقال : « أول من قدم من بني القداح إلى الري وأذربيجان وطبرستان رجل حلاج القطن . . . » .
( الفهرست 239 ) .