الفصل الخامس والأربعون خروج سنباذ المجوسي على المسلمين من نيسابور إلى الري وفتنته
منذ هذه الأيام - عهد أنوشروان - لم يرفع أحد من هؤلاء القوم رأسه ، إلا ما كان من أمر امرأة مزدك « خرمة بنت فاده » التي كانت قد فرّت مع رجلين من المدائن إلى ضواحي الري وأطرافها ، وأخذت تدعو الناس ، والرجلان معها ، إلى مذهب زوجها سرّا إلى أن اعتنقه خلق كثير من المجوس .
وأطلق الناس عليهم لقب « الخرمية » لكنهم كتموا أمرهم ، ولم يجرءوا على إعلان مذهبهم ، بل طفقوا طوال تلك المدة يفتشون عن حجة يتسترون وراءها للخروج وإظهار مذهبهم على رؤوس الأشهاد .
ولما قتل أبو جعفر المنصور الدوانيقي أبا مسلم الخراساني صاحب الدولة ببغداد عام 137 لهجرة محمد ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، كان في نيسابور رئيس مجوسي اسمه سنباذ كانت تربطه بأبي مسلم صحبة قديمة ، وله في عنقه حق صداقة وخدمة سالفتين . فأبو مسلم هو الذي قرّبه ورقاه إلى درجة قائد جيش . فما كان من سنباذ بعد قتل أبي مسلم إلا أن أعلن تمرده وخروجه ، وتقدم بجيش من نيسابور إلى الري ، وأخذ يدعو مجوس الري وطبرستان ، لأن نصف أهل قوهستان والعراق كانوا رافضة ومزدكية . وأراد أن يظهر الدعوة ، فعمد أولا إلى قتل أبي عبيدة الحنفي عامل المنصور على الري ، واستولى على الخزائن التي كان وضعها أبو مسلم هناك . ولما قوي أمره ، خرج يطلب دم أبي مسلم مدعيا أنه رسوله إلى أهل العراق وخراسان ، وزعم : « إن أبا مسلم لم يقتل ، لكنه لما همّ المنصور بقتله ، دعا اسم ربه الأعلى ، عزّ وجل ، فصار حمامة بيضاء ، وطار من بين يديه . إنه الآن في حصن من نحاس ، والمهدي ومزدك معه ، سيظهرون ثلاثتهم ، يتقدمهم أبو مسلم ، ومزدك وزيره . ولقد وصل إليّ قاصد برسالة من أبي مسلم » .
لمّا سمعت الرافضة اسم المهدي ، وسمع المزدكيون اسم مزدك ، التفّ حول سنباذ من الرافضة والخرمية خلق كثير . فعظم شأنه ، وتفاقم أمره ، إذ وصل عدد أتباعه إلى أكثر من مائة ألف شخص بين