إشارته » « 30 » ومن البديهي أن ملكشاه لم يستطع أن يصبر على هذا القدر من الاقتدار والتدخّل والاختيار ، لا سيّما أن منافسي نظام الملك ومناوئيه لم يكونوا ليتركوه وشأنه ، بل كانوا في سعاية مستمرة ضده لدى السلطان . ومن جملة أولئك « تركان خاتون » زوج السلطان التي كانت تسعى بعد موت ابنها الأكبر ملك أحمد الذي كان وليّا للعهد ، لكي ينتخب ابنها الصغير محمود وليّا للعهد خلفا له ؛ غير أن الخواجة نظام الملك كان يرى أن من مصلحة المملكة تنصيب بركيارق ابن زبيدة - الذي كان أكبر أبناء السلطان - وليّا للعهد . وكان ملكشاه يناصر نظام الملك في الباطن ، غير أن تركان خاتون كانت تسعى جادّة للإطاحة بوزارة نظام الملك واستبدال وزارة بها يتولّاها تاج الملك الذي كان ينحاز إلى جانبها وجانب ابنها « 31 » . وكان مخالفو نظام الملك يحذّرون السلطان يوميّا بحجّة أنه سلّم قومه وأعوانه زمام الأمور ، ولم يبق للسلطان أي اختيار . ولم يكن هذا الكلام خلافا للواقع أيضا . وأخذت عناية ملكشاه بنظام الملك تقل تدريجيّا ، إذ شرع بتنحية أنصاره عن مناصبهم أولا بأول ، وراح إذا ما جاءه - بين الحين والحين - شخص متظلّما يعزو الظلم الذي لحق به إلى تقصير نظام الملك ومن لفّ لفّه . هذا شيء ، وشيء آخر أن الإسماعيلية وأعوان حسن الصباح ازدادوا قوة في إيران ، وبثّوا بقتلهم مخالفيهم الرعب في القلوب ، حتى إن نظام الملك ، الذي كان يعدهم أعداء الدين والملك ، أرسل إليهم جيشا ليدفع أذاهم . وأضيفت إلى هذه العلل أيضا عوامل الشيخوخة والضعف والعجز التي كانت تثير في نفس نظام الملك تمني الانتحاء جانبا واختيار زاوية منعزلة يركن إليها ، والذهاب لأداء فريضة الحجّ ، والانقطاع للعبادة . لكنه على الرغم من عداوات المخالفين وبلوغه من العمر عتيّا ، وفقدانه القدرة والطاقة ، لم يزح العبء عن كاهله . « ربما كان ذلك لأنه كان يدرك أن قوام الملك ونظام أمور الدين والدولة منوطة بوجوده هو نفسه ، وأنه كان على يقين من أنه إذا ما أخلى الساحة ، فإن الدولة ستنفصم عراها . وربما يضاف إلى هذه الملاحظة العامة ، شدّة علاقته بأبنائه ورجاله الذين سينحّون طبعا بعد استعفائه ويواجهون بالنفرة والصدود . ومن المسلّم به أن أبناءه وأصهاره ، وذوي قرباه - الذين كانوا يعدون وجود الخواجة واقتداره حماية لمنازلهم ومحافظة عليها - لم يكونوا ليرضوا بأن ينسحب من الميدان » « 32 » .
وأخذ ملكشاه - وقد كان يرى سلطانه وقدرته بيد الخواجة ورجاله - يستعدّ تدريجيّا لعزله ؛ لكن من بين الأمور التي كانت تحول دون تحقيق هذا الهدف « علاقة جماعة من الجيش الشديدة بأسرة
هامش
( 30 ) تجارب السلف 268 .
( 31 ) نسائم الأسحار 50 - 51 ، وآثار الوزراء 209 ، ونقد حال 246 .
( 32 ) نقد حال 251 .