وسخر اللّه - عزّ وجلّ - الأرض له ، فقال : « يا أرض ابلعي قارون » فخسف به الأرض « 16 » . ألم تر أن عيسى - صلوات اللّه عليه - كان يحيي الموتى « 17 » ؟ كل هذه الأمور ليست في قدرة بشر ، بل هي من قدرة اللّه عز وجل » . هكذا شأني ، فقد أرسلني اللّه ، وسخّر لي النار ، فإن تطيعوا ما أقول وتقول النار وتأخذوا به ، تنجوا في الدنيا والآخرة ، وإن تعصوا ، فترقبوا عذاب اللّه وهلاكه » . ونهض موبذ فارس ، وقال : « إنني لا أقوى على جواب رجل يتلقى كلامه من لدن اللّه والنار ، والنار مسخرة بأمره . وها أنا ذا ألقي ترسي « 18 » أمام شخص لم أستطع أن أفعل ما فعل ، بل وقفت أمامه عاجزا . إنني ذاهب ، لأنه ليس لي الجرأة على أكثر من هذا » . وغادر الموبذ فورا ، واستلم طريق فارس . وانصرف قباذ من المجلس . أما مزدك فمضى إلى المعبد ليقضي سبعة أيام في عبادة النار ؛ وأما الناس ، فعادوا إلى منازلهم ، والفرحة تغمر معتنقي مذهب مزدك منهم خاصة ، فازداد اعتقادهم وإيمانهم به رسوخا واستحكاما .
لما حلّ الظلام استدعى قباذ أنوشروان ، وقال له : « لقد ذهب الموبذ ، وأحالني عليك لأنك جدير بالقضاء على هذا المذهب . فما الحيلة الآن ؟ » . قال أنوشروان : « إن يعهد مولاي إليّ بالأمر ولا يفضي به إلى أحد سواي ، فإنني أتعهد بأن أتكفل به سرّا بنحو تمحي فيه بذور مزدك والمزدكية من على وجه الأرض » . قال قباذ : « لن أبوح بهذا السر لأحد غيرك ، ولن يجاوزنا نحن الاثنين » . فقال :
أنوشروان : « لما أعلن الموبذ عجزه على الملأ ، وعاد إلى فارس عمت الفرحة مزدك والمزدكيين ، وقويت قلوبهم ، فقالوا : « سيتحقق لنا بعد الآن ، كل ما نفكر فيه ونوطن العزم عليه » . إن قتل مزدك سهل جدا ، لكن أتباعه كثر . فإن نقتله ، يفرّ المزدكيون وينتشروا في بقاع الأرض ويبدءوا في دعوة الناس إلى مذهبهم ، ويستولوا على الجبال استيلاء محكما ، فيسبّبوا لنا ولمملكتنا المتاعب والمشكلات . يجب أن نفكر في حل لا ينجو معه من سيوفنا واحد منهم ، بل نهلكهم جميعا ونبدّد شملهم » . فقال قباذ : « ما الطريق الأفضل في نظرك ؟ » . قال أنوشروان : ( ما أراه هو أن يرفع الملك من منزلة مزدك ، ويقدّره أكثر مما هو عليه الآن ، بعد أن يخرج من تعبّده ويمثل بين يديه . ثم يقول له - في خلال حديثه معه - حين يختلي به : « إن أنوشروان قد لانت عريكته ، منذ ذلك اليوم الذي استسلم فيه موبذ فارس ، وأقرّ بعجزه ، وهو الآن ، يوطّن عزمه على الإيمان بك ، ويعضّ أصابعه ندما على أقواله السالفة » . ولنر ما يقول ) .
هامش
( 16 ) قال تعالى :فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ( القصص : آية 80 ) .
( 17 ) قال تعالى :وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ . . .( آل عمران : آية 49 ) .
( 18 ) كناية عن الاستسلام . والاصطلاح الفارسي : « سپر بيوكندم » أو « سپر بيفكنم » .