لما مثل مزدك بين يدي قباذ في ذلك الأسبوع ، أكرمه جدا وبجّله وأبدى له تواضعا جما ، ثم أخبره بما قال أنوشروان . فقال مزدك : « إن أكثر الناس ينظرون إلى أعمال أنوشروان ، ويصغون إلى أقواله . فحين يعتنق هذا المذهب المختار ، فسيدخله الناس كافة . ولقد تشفعت إلى النار ، ودعوت اللّه تعالى بأن يجعل هذا المذهب نصيبا لأنوشروان ورزقا » . قال قباذ : « أجل ، إن أنوشروان وليّ عهدي ، وإن الرعية والجيش يحبونه جدا . وحين يدخل مذهبنا ، لا تبقى للناس أية حجة . إنني لأعاهد الملة على أن أقيم لك آنذاك منارة حجرية في وسط دجلة على رأسها جوسق « 19 » ذهبي أسطع من الشّمس مثلما شاد كشتاسب « 20 » لزرادشت جوسقا من ذهب على سروة « كشمر » « 21 » . فقال مزدك لقباذ :
« انصحه أنت ، وأنا أدعو له اللّه وإنّي لعلى يقين من استجابة الدعاء » .
هامش
( 19 ) الجوسق : فارسي معرب عن « كوشك » ، وهو القصر ، وكل بناء رفيع عال ، وقيل الحصن . قال النعمان بن عدي ابن نضلة - أو نضيلة - من بني عدي بن كعب والي عمر بن الخطاب على ميسان ( بين البصرة وواسط ) من أبيات ليعزله عمر :لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه * تنادمنا في الجوسق المتهدّم( معرب الجواليقي 96 - 97 )
( 20 ) معرب كشتاسب . وعرّب أيضا على « كيشتاسب » ( مفاتيح العلوم 64 ) وعلى « بشتاسب » و « بشتاسف » ( فرهنگ فارسي ) .
وهو كشتاسب بن لهراسب الملك الكياني . كان يرغب في انتزاع الملك من والده ولما لم يتسنّ له ذلك ، مضى إلى بلاد الروم وتزوج ابنة القيصر . ثم عاد إلى إيران وتولى الملك . وفي السنة الثلاثين لحكومته ظهر زرادشت ، فقبله وآمن به مما أدى إلى ظهور العداء بين الكيانيين والتورانيين ( فرهنگ فارسي ) . وقد ذكر الفردوسي كشتاسب وأخباره في الشاهنامة ( راجع : الترجمة العربية 1 : 311 - 369 ) . كان لقب كشتاسب الهربذ ( بكسر الهاء وسكون الراء ) أي عابد النار . لقب به لأن زرادشت أتاه بالمجوسية فقبلها . ( مفاتيح العلوم 64 ) .
( 21 ) كشمر : ( بكسر الكاف وسكون الشين ) أو كاشمر : قرية من قرى إقليم قوهستان من أعمال خراسان . ذكرها القزويني باسم « كشم » خطأ ، مثلما ذكرها الثعالبي باسم « كشمير » . أما سروة كشمر ، فقصتها طويلة ومعروفة في التراث الفارسي . يقال إنها إحدى سروتين أمر زرادشت صاحب المجوس بغرسهما . أما الأخرى فسروة « فريومد » ( من أعمال سبزوار ) . مع هذا ، فقد اختلف فيمن غرس السروة . فقيل إن زرادشت هو الذي غرسها تخليدا لاعتناق كشتاسب المجوسية . وقيل إن كشتاسب هو الذي غرسها ، بل غرس الشجرتين . ويقال إن سروة كشمر كانت شجرة عظيمة جدا لم ير مثلها في عظمها ، حتى إنها حالت دون وصول ضرر الزلازل إلى كشمر . ذكرها صاحب الشاهنامة ونفر من الشعراء الفرس .
ويذكر أن الخليفة المتوكل أمر بقطع هذه السروة العظيمة في 247 ه وحملها قطعا على الجمال لرؤيتها واستعمالها في بناء قصره « الجعفرية » بسامراء ، فقطعت ولم تجد شفاعة الشافعين وتضرّعهم . لكنها لما وصلت إلى ضفاف دجلة كان المتوكل قد لقي حتفة غيلة على يد ابنه ، فقال علي بن الجهم :فأل سرى بسبيله « المتوكل » * فالسّرو يسري ، والمنيّة تنزل
ما سربلت إلا لأن إمامنا * بالسّيف من أولاده متسربل( راجع في سروة كشمر : نزهت القلوب 183 ؛ ومزديسنا وتأثير آن در أدبيات بارسى 339 - 343 ؛ وثمار القلوب للثعالبي 590 - 591 ؛ وآثار البلاد للقزويني ص 446 ؛ وبلدان الخلافة الشرقية 395 ) .