الخير هذه في الآخرة ؟ » . وعيي مزدك عن رد الجواب . فقال له الموبذ : « لقد أبحت النّساء أيضا ! ! فإذا ما وطئ عشرون رجلا امرأة واحدة ، وحملت المرأة ، لمن يكون الوليد ؟ » . وعجز مزدك عن الإجابة أيضا . فأردف الموبذ : « لقد جئت لتبدد الأموال ، وتقرض النسل مرة واحدة . إن هذا الملك إنما هو ملك يتربع على العرش لأنه ابن الملك فيروز ، وعنه ورث الملك ، مثلما ورث فيروز نفسه الملك عن أبيه أيضا . فإن وطئ زوج الملك عشرة مثلا ، وأنجبت ولدا ، ما ذا سيقال له ، وابن من يكون ؟ أليس هذا استئصالا للنسل ؟ وإذا ما استؤصل النسل ، أفلا يخرج الملك من هذه الأسرة ؟ أليست تقاس الرفعة والانحطاط بالغنى والفقر ؟ إن يكن الرّجل فقيرا فلا مناص له - لاحتياجه وعوزه - من أن يخدم الأثرياء ويقوم على أمرهم ، وهنا يمتاز العظيم عما دونه منزلة . وإذا ما أبيحت الأموال فإن الرفعة والانحطاط يمحيان من الوجود ، فيتساوى أقل الناس شأنا بالملوك ، بل تنتفي الملوكية . لقد جئت أنت لتبدد الأموال والملك عن بيوتات ملوك العجم ! » . ولم يحر مزدك جوابا ، ولاذ بالصمت المطبق . فقال له قباذ : « أجبه » . قال مزدك : « جوابه أن تأمر الآن بضرب عنقه » . قال قباذ : « لا يجوز ضرب عنق أي شخص دون دليل » . قال مزدك : « لأسأل النار ما تقول ، فإنني لا أنطق عن الهوى » .
أما الناس الذين كانوا في أشد حالات الحزن والألم على أنوشروان ، انقلبوا فرحين مسرورين لنجاته من القتل .
وتغير قباذ على مزدك ، وانقلب عليه لأن مزدك قال له : « اقتل الموبذ » و « اقتل أنوشروان » ، فلم يقتلهما . وأما مزدك فقال في نفسه : إن الحل الوحيد ، وقد كثر أتباعي من الرعية والجيش ، أن أتخلص من قباذ أولا ، ثم أقتل أنوشروان وغيره من المخالفين .
واتفقوا على أن يصيروا جميعا إلى المعبد غدا . ليروا ما تأمر النار ، ثم انصرفوا .
ولما أرخى الليل سدوله ، استدعى مزدك اثنين من أعوانه وأتباع مذهبه ، وأغدق عليهما الذهب ، ونصحهما ، ووعدهما بأنه سيرفعهما إلى مرتبة القيادة ، وأخذ عليهما قسما بأن لا يبوحا بهذا الكلام لأحد . ثم أعطاهما سيفين ، وقال : « حين يجيء قباذ إلى بيت النار غدا ، ويحضر العظماء والموبذون ، عليكما ، إذا ما أمرت النار بقتل قباذ ، أن تسلا سيفيكما بسرعة وتقتلاه ، فإن أحدا لن يأتي بسيف إلى المعبد » . قالا : « سمعا وطاعة » .
وفي اليوم التالي ، ذهب قباذ ، وذهب العظماء والموبذون إلى بيت النار . لكن موبذ فارس ، قال لأنوشروان : « مر عشرة من رجالك بأن يخفوا سيوفهم تحت ألبستهم ويأتوا معك إلى بيت النار مخافة أن يكون مزدك قد بيّت غدرا ومكرا » . فنفّذ أنوشروان هذا ، ومضى إلى المعبد .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 236
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص٢٣٦