تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
مزدك في إنطاقه النار ؟ » . قال الرجل : « إن أقل الصدق ، أفتستطيع أن تحميني وتحفظ سرّي » . قال أنوشروان : « أستطيع » . قال الرجل : « اعلم أن بالقرب من بيت النار قطعة أرض اشتراها مزدك ، وأحاطها بأربعة جدران عالية ، وأقام من هناك نفقا يمتد إلى ما تحت النار في المعبد ، وأوجد ثقبا صغيرا جدا في وسط النار . وكان يرسل تلميذا له في كل مرة ويلقنه : « امض إلى تحت النار ، وضع فمك على الثقب ، وقل كذا وكذا . . » . فكان كل من يسمع ذلك يظن أن النار هي التي تتكلم » . لما سمع أنوشروان هذا الكلام أيقن أنه صحيح . فغمرته الفرحة ، ووهب الرجل ألف دينار . لما سجى الليل ، مضى أنوشروان بالرجل إلى أبيه ليعيد على مسامعه ما قال له . فعجب قباذ جدا لاحتيال مزدك وتجاسره ، ونفض عن قلبه الشك دفعة واحدة . وأحضر أنوشروان الموبذ حالا ، فأثنى عليه قباذ وحيّاه ، ثم أطلعاه على حقيقة الحال . فقال الموبذ : « لقد قلت لمواليّ ، إن هذا الرجل محتال » . قال قباذ : « لقد اتضح هذا . لكن ، كيف السبيل إلى إهلاكه ؟ » . قال الموبذ : « يجب ألا يعلم أنك قد ندمت ، أو أنك على علم بحيلته . ادع إلى اجتماع آخر أناظره فيه أمام من في المجلس جميعا ، وألقي في نهاية المطاف ترسي ، وأقر بعجزي ، ثم أعود إلى فارس . بعد ذلك ، يجب أن تنفذوا كل ما يقوله أنوشروان ويراه صوابا ، ليتمّ استئصال هذه الطينة الخبيثة ومحوها » . بعد عدة أيام ، أمر الملك قباذ بحضور كبار رجال مملكته وموبذيها لمساندة موبذ فارس ، ومناظرة مزدك ، وتأمل دعوته مليا . وفي اليوم التالي ، حضر الجميع . وجلس الملك على سريره ، ومزدك على كرسيه ، وأدلى كل شخص بما عنده . أما موبذ فارس فقال : « إني لأعجب من أمر تكلم النار ! » . قال مزدك : « لا يجوز العجب من قدرة اللّه وفعله . ألم تر أن موسى عليه السلام جعل من عصاه حية ، وفجّر من الحجر اثنتي عشرة عينا ، وقال : « لأغرقن فرعون وجنوده » « 15 » ؟ فأغرق ،
هامش
( 15 ) الذي في القرآن الكريم أنه أوحي إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر . قال تعالى :فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ( الشعراء : الآية 63 ) ، ثم راجع : ( سورة الأعراف آية 136 ، وسورة طه آية 77 - 78 وسورة القصص آية 40 وسورة الزخرف آية 55 وسورة الذاريات آية 40 ) . غير أنه قيل في الآية السابقة : « ويقال إنه - البحر - انفلق اثني عشر طريقا ، لكل سبط طريق يسيرون فيه ، حتى قيل إنه صار فيه أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا ! وفي هذا نظر . . . » . ( أبو الفداء : قصص الأنبياء 2 : 81 - 82 الطبعة الأولى . القاهرة 1968 م ) . أما قصة الاثنتي عشرة عينا ، فلا علاقة لها بغرق فرعون وجنده ، لأنّه لما جاز موسى - عليه السلام - ببني إسرائيل البحر إلى الشاطئ الشرقي ولم يجدوا ماء لشربهم وسقيا دوابهم ، شكوا إلى موسى ، فأمره اللّه أن يضرب الحجر بعصاه ، فلما ضربه انبجست منه اثنتا عشرة عينا . قال تعالى :وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً ، وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى ، إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ، أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ، فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً . . .( الأعراف : آية 160 ) . ( راجع : عبد الوهاب النجار ، قصص الأنبياء ص 211 . مطبعة المدني . القاهرة 1966 م ) .