ولما أطبق الليل أطلع قباذ أنوشروان على كل ما جرى . فقال أنوشروان : « ليدع مولاي مزدك بعد أسبوع ويقل له : لقد رأى أنوشروان رؤيا أفزعته ليلة أمس ، إذ جاءني مع تباشير الصباح الباكر ، وقال : « رأيت في المنام نارا عظيمة تتقدم مني فرحت أبحث عن ملجأ ، وإذا شخص وسيم الصورة يتقدم نحوي ، فقلت له : ما تريد النار مني ؟ قال : النار غاضبة عليك ، لأنك كنت تعدّها كاذبة . قلت :
أنّى تعلم أنت هذا ؟ قال : الوحي - جبريل - يعلم كل شيء . وأفقت من نومي ، وها أنا ذا ماض الآن إلى بيت النار » . ومضى يحمل معه شيئا من المسك والعود والعنبر ليلقي بها في النّار ، ويتعبد عندها ثلاثة أيام بلياليها ، ويتضرع إلى اللّه ) . وأخبر قباذ مزدك بما قال أنوشروان . ونفّذ أنوشروان ما أخذ نفسه به أيضا ؛ ففرح مزدك فرحا عظيما .
بعد أسبوع واحد على هذا الحديث ، طلب أنوشروان إلى أبيه أن يقول لمزدك بأن أنوشروان قال لي :
( لقد وضح لي بجلاء أن هذا المذهب حق ، وأن مزدك رسول اللّه . سأعتنق مذهبه وأنضم إليه ، بيد أن ما يشغلني هو أن أكثر الناس يخالفونه . إنني أخشى أن يخرجوا ويتألبوا علينا ؛ وينتزعوا الملك من أيدينا عنوة . ليتني أدري كم عدد أتباع هذا المذهب ومن هم ؛ فإن يكونوا على ما نبغي من عدد وعدة ، فبها ونعمت ، وإلا فلأتريث إلى أن يشتد عودهم ، ويقوى ساعدهم ، ويكثر عددهم .
وسأمدهم بما يحتاجون إليه من مئونة وسلاح وعتاد . حينئذ نظهر المذهب في أتم قوته ، ونفرضه على رقاب الناس عنوة ، وبحد السيف . فإن يقل مزدك : « إن عددنا كثير » . قل له : أعدّ جريدة « 22 » بأسماء أتباع المذهب جميعا لنعرضها عليه - أي أنوشروان - ليزداد قلبه بأسا وجرأة ، ولكي لا تبقى له ثمة ذريعة يتذرع بها » . فبهذا نستطيع أن نعرف عدد المزدكيين ، ومن هم الذين دخلوا في مذهب مزدك ) .
ونقل قباذ هذا الكلام إلى مزدك ، ففرح واستبشر ، وقال : « لقد اعتنق هذا المذهب خلق كثير » .
فقال قباذ : « أعد جريدة بأسمائهم كي لا يبقى - كما قلت - لأنوشروان أي عذر » . وأعدّ مزدك الجريدة وأتى بها إلى قباذ ، فعدّهم قباذ ، فإذا هم اثنا عشر ألف رجل من المدن والقرى والجيش . قال قباذ : « سأدعو أنوشروان الليلة ، وأعرض عليه الجريدة ، وستكون علامة دخوله المذهب ، بأن آمر في الحال أن ينفخ في الأبواق ، وينقر على الطبول والدفوف ، وأشيع الفرحة في الخارج كأنني رزقت طفلا . فإذا ما سمعت أصوات الزمر والنقر فاعلم أنّ أنوشروان قد اعتنق هذا المذهب » .
ولما رجع مزدك ، وجنّ الليل ، دعا قباذ أنوشروان ، وأراه جريدة الأسماء وأخبره بالعلامة التي اتفق مع مزدك عليها . فقال أنوشروان : « حسن جدا . مر بالنفخ في الأبواق ، والنقر على الطبول ؛ وحين
هامش
( 22 ) في الحديث : « كتب القرآن في جرائد » . ( اللسان - جرد ) . وجريدة هنا بمعنى « فهرس » أو « ثبت » .