وكان مزدك ، كلما أراد الذهاب إلى بيت النار ، يلقن تلميذه ما يقول من تحت الثقب . فلقنه ما يقول هذه المرّة أيضا ، ومضى إلى هناك ، ثم قال لموبذ فارس : « سل النار لتتحدث إليك » . وعلى الرغم من كثرة سؤال الموبذ النار ، فإنها لم تجبه . حينئذ خاطب مزدك النار : « احكمي بيننا ، واشهدي على صدق دعواي » . فانبعث من خلال النار صوت يقول : « لقد دبّ الضعف إليّ مذ أمس ، أطعموني أولا من قلب قباذ وكبده لأزداد قوة ، ثم أقول لكم ما يجب فعله . ما مزدك إلا هاديكم إلى الراحة الأبدية الخالدة » . فقال مزدك : « قوّوا النار وأطعموها » . فشرع ذانك الرجلان سيفيهما ، واتجها صوب قباذ ، فقال موبذ فارس لأنوشروان : « حذار » . فتقدم أنوشروان برجاله العشرة بسيوفهم المستلة واعترضوا سبيل ذينك الرجلين ، ولم يمكناهما من أن ينالا قباذ بالسيف . فصاح مزدك : « إنما تنطق النار بأمر اللّه » . وانقسم الناس فريقين ، قال أحدهما : « ألقوا قباذ في النار حيا أو ميتا » . وقال الآخر :
« يجب التريّث في الأمر ، لنفكّر فيه أكثر وأفضل » . وعادوا في نهاية ذلك اليوم ، وكان قباذ يقول : « لربما أنني اقترفت ذنبا حتى تريد النار أن تتقوى مني . إنه لأحبّ إليّ أن أصطلي بنار الدنيا على أن أتلظى بنار جهنم » .
واجتمع موبذ فارس بقباذ وحيدا مرة أخرى ، وحدثه عن الملوك والموبذين القدامى ، وأورد أدلة من كل المذاهب وعرض حججا شتى مؤداها : « ليس مزدك بنبيّ ، بل خصم الأسرة المالكة . والدليل أنه أراد أن يقتل أنوشروان أولا ، ولما لم يحالفه التوفيق تحول إليك . ما الذي أدخل في روعك أن الصوت ينبعث من النار ! أفتكلمت النار قبلا حتى تنطق الآن ؟ سأعمل ، جهدي ، لكشف هذه الحيلة ، وأبين للملك أهي النار التي تتكلم أم شخص آخر ! » . هكذا جعل الموبذ الملك يندم على ما فعل . ثم قال له أيضا : « لا تحسبن أنوشروان طفلا . إنّ باستطاعته أن يحكم العالم ويسوده ، فإذا ما أردت أن يدوم الملك في أسرتك ، لا تفوّت عليه أي رأي يراه . وإياك أن تفضي إلى مزدك بمكنونات قلبك وأسراره » .
ثم قال الموبذ لأنوشروان : « يجب أن تسعى إلى استمالة أحد خدم مزدك وغلمانه وتغريه بالمال ، فلربما أطلعنا على حقيقة أمر النار ، لنتمكن من اقتلاع جذور الشك من قلب أبيك دفعة واحدة » . واستطاع أنوشروان أن يظفر بشخص تمكن من أن يصادق أحد خدم مزدك ، وأن يأخذه إلى أنوشروان بحيلة ما . فجلس إليه أنوشروان وحيدا ، ونثر أمامه ألف دينار ، وقال : « إني سائلك شيئا ، فإن تصدقني الجواب ، أمنحك هذه الألف دينار حالا ، وأجعلك من مقربيّ ، وأبوئك منزلة رفيعة ، وإلا أفصل رأسك عن جسدك الآن » . فخاف الرّجل ، وقال : « إن أصدقك القول ، أتفي بما قلت ؟ » . قال أنوشروان : « أفي به وأكثر » . قال الرجل : « أقول إذا » . قال أنوشروان : « قل لي ما الحيلة التي لجأ إليها
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 237
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص٢٣٧