لأحكامها وتنبؤه بها . إن « الاقتران » « 12 » الحالي ينبئ بأنه سيظهر رجل يدّعي النبوة ، ويأتي بكتاب ومعجزات غريبة ، ويشق القمر نصفين « 13 » ، ويدعو الناس إلى عبادة اللّه ، ويجيء بدين حق طاهر ، ويبطل المجوسية والمذاهب الأخرى كافة ، ويبشر بالجنة ، ويتوعد بجهنم ، ويحمي ، بحكم الشرع ، الأموال ، ويصون النساء ويحصّنها ، ويتبرأ من الشيطان ، ويتلقى الوحي من جبريل - عليه السلام - ، ويخرب بيوت النار والأوثان ، ويبث دينه في أرجاء الأرض فيبقى إلى يوم الدين وتشهد السماوات والأرض على نبوته .
لقد منّى مزدك نفسه بذلك ، وخيّل له أنه ذاك الرجل ولا أحد غيره ، في حين أن ذلك الرجل - أولا وقبل كل شيء - عربي ومزدك أعجمي ، وأنه ينهى الناس عن عبادة النار وينكر زرادشت ، ومزدك يحذو حذو زرادشت ويدعو إلى عبادة النار أيضا . إن ذلك النبي لا يبيح لأحد حتى النظر إلى حرم الآخرين ، أو أخذ ولو ذرة صغيرة من أموالهم ، بل يأمر بقطع اليد بدرهم فضة بغير حق ؛ أما مزدك فقد أباح النساء والأموال . إن ذلك النبي يتلقى الأمر من السماء ويوحى إليه عن طريق جبريل - عليه السلام - ، أما مزدك فيتحدث بوحي من النار . إن ذلك سيأتي بكتاب جديد ، أما مزدك فلا يصدر إلا عن الزند والأوستا .
خلاصة الأمر ، إن مذهب مزدك لا أساس له . سأفضحه أمام الملك غدا ، وأثبت أنه على الباطل ، وأنه لا يهدف إلا إلى إزالة « الكسروية » عن أهل بيتك ، وتبديد كنوزك ، ومساواتك بأقل الناس شأنا .
فأعجب قباذ بكلام الموبذ ، وهشّ له قلبه .
وفي اليوم التالي ، لما جاء قباذ إلى المجلس ، وجلس مزدك على كرسيه ، ووقف أنوشروان أمام سرير الملك . وحضر الموبذون وكبار القوم ، قال الموبذ لمزدك : « أتسأل أنت أم أسأل أنا ؟ » . قال مزدك :
« أنا » . فقال الموبذ : « بما أنك ستكون السائل وأنا المجيب ، تعال إذا إلى مكاني هنا ، لأتحول أنا إلى مكانك هناك » . فاعترى مزدك الخجل ، وقال : « إن الملك هو الذي أجلسني هنا . سلني أجبك » . قال الموبذ : « لقد أبحت الأموال ! أو ليس يبني الناس القناطر ، ويقيمون الرّبط « 14 » ، ويفعلون الخير ابتغاء الدار الآخرة ؟ » . فأجاب مزدك : « أجل » . قال الموبذ : « فإذا ما أبيحت الأموال ، لمن يكون ثواب أفعال
هامش
( 12 ) الاقتران أو « القرآن » ( بكسر القاف ) : هو اجتماع زحل والمشتري ، خاصة ، إذا أطلقت . فإذا ما عني قران كوكبين آخرين قيّد بذكرهما ( مفاتيح العلوم 134 ) .
( 13 ) إشارة إلى الآية الكريمة ،اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ( القمر : آية 1 ) .
( 14 ) جمع رباط .