بعد سنة على هذا الكلام ، سأل قباذ مزدك في خلال حديث جرى بينهما ، فقال : « أدخل الناس في هذا المذهب راغبين فيه ؟ » . قال مزدك : « لو قبل أنوشروان هذا المذهب ولم يتمرد عليه ويمنعهم من دخوله ، لدخلوا فيه دفعة واحدة » . قال قباذ : « أو ليس هو على هذا المذهب ؟ » . قال مزدك : « لا » .
قال قباذ : « إليّ بأنوشروان » . وجيء بأنوشروان ، فلما رآه قباذ قال له : « ألست على مذهب مزدك ؟ » .
قال أنوشروان : « كلّا ، والحمد للّه » . قال قباذ : « لما ذا ؟ » قال أنوشروان : « لأنه طرّار محتال » ، قال قباذ :
« أي محتال ينطق النار ؟ » . قال أنوشروان : « ثمة أربعة أشياء متضادة ، لا لون لها : الماء والنار والتراب والهواء . قل له أن ينطق الماء والتراب والهواء مثلما أنطق النار لأؤمن به » . قال قباذ : « إن كل ما يقوله مزدك من تفسير الزند والأوستا » . قال أنوشروان : « إن الذي جاء بالزند والأوستا لم يدع إلى إباحة الأموال والنساء ، ولم يقل بتفسيره أحد من الحكماء في السنوات المنصرمة كلها . ما الدين إلا لصون الأموال والنساء . فإذا أبيحا ، فأي فرق يبقى بين الإنسان والحيوان ؟ إن البهائم هي التي تتساوى في الرعي والضراب لا الناس العقلاء ! » . قال قباذ : « ليكن ، ولكن كيف تخالفني وأنا أبوك ؟ ! » . قال أنوشروان : « لقد تعلمت هذا منك ، وإلا فلم تكن هذه عادتي من قبل . خالفتك بعد أن رأيتك خالفت والدك . أعرض عن هذا ، لأعرض أنا عنه أيضا » .
وانتهى الجدال بين الثلاثة بأن قال قباذ ومزدك لأنوشروان ببساطة : « هات دليلا ترد فيه هذا المذهب وتبطل دعوى مزدك ، أو ائت بمن حجته أقوى من حجة مزدك وأصح ، وإلا ستنال جزاءك لتكون فيك عبرة للآخرين » . قال أنوشروان : « أمهلاني أربعين يوما أقدم بعدها حجتي ، أو آتي بشخص يتصدى لجواب مزدك » . قالا : « لك هذا » . وتفرّقوا على هذا الأساس .
لما عاد أنوشروان من عند أبيه ، أرسل في اليوم ذاته رسولا إلى مدينة « جول » « 10 » في فارس برسالة إلى موبذ حكيم طاعن في السن كان يقطن تلك المدينة ، تقول : « احضر بأقصى سرعة ؛ فقد جرى بيني وبين الملك ومزدك كذا وكذا » .
لما انقضت الأربعون يوما ، جلس قباذ للناس ، واعتلى سرير الملك . وجاء مزدك فمضى إلى سدة العرش ، وجلس على كرسيه . وأمر الملك بإحضار أنوشروان ، ثم قال مزدك لقباذ : « سله عما أتى به
هامش
( 10 ) معرّب « گول » التي جاءت بهذا الشكل في النسخ الثلاث . وقد رأى عباس إقبال ( حاشية 1 ص 243 ) وتابعه دارك وشعار أن ليس في فارس مدينة معروفة بهذا الاسم ، بل ربما تكون محرفة عن « گور » ( جور ) أو فيروزآباد الحالية . فقد كان فيها معبد معروف .
( راجع تعليقات دارك ص 343 والمصادر التي اعتمدها . ثم انظر في جور : معجم البلدان ؛ وبلدان الخلافة الشرقية ص 291 ) .