المنزل ثم يدخل وحتى إذا ما جاء آخر للغرض نفسه ورأى القلنسوة على الباب ، يرجع أدراجه لأنه يدرك أن ثمة شخصا في شغل .
* * * أرسل أنوشروان رسولا إلى الموبذين سرّا ، وقال : لما ذا هذا الصمت المطبق ؟ لم لا تتكلمون شيئا في أمر مزدك ، وتنصحون والدي : فأي محال هذا الذي ألزم به نفسه حتى صار فريسة مكر هذا الوبش الطرّار « 9 » وغدره ؟ لقد بدّد هذا الكلب - مزدك - أموال الناس وهتك ستر حرمهم وأعراضهم ، وهيمن على عوامهم . قولوا لي : بأي حجة يفعل هذا ، ومن ذا الذي أمره به ؟ إن تلوذوا بالصمت أكثر ، فإنكم تعرّضون أموالكم للنهب ونساءكم للهتك ، وملكنا للزوال . هبّوا جميعا ، واذهبوا إلى والدي ، وأطلعوه على حقيقة الحال ، وانصحوه . ثم ناظروا مزدك ، وأنعموا النظر فيما يورد من حجج » . ثم بعث ، أيضا ، برسائل إلى عظماء الرجال ومشهوريهم سرّا ، تقول : « لقد غلب على والدي هوس فاسد ، فأخلّ عقله ، حتى أضحى لا يميز ما ينفعه مما يضرّه . اسعوا جادين في معالجته وتقويمه ؛ ولتحذروا الاصغاء إلى كلام مزدك والعلم بما يقول ، ولا تنخدعوا مثلما انخدع أبي . إن هذا لباطل والباطل لا أساس له ، ولا نفع لكم فيه غدا » .
خشي العظماء كلام أنوشروان وتهديده ، وتراجع له بعض من كانوا ينوون الدخول في مذهب مزدك ، وقالوا : « لننظر إلام يصير أمر مزدك . أنّي لأنوشروان هذا الكلام ؟ » . وكان عمر أنوشروان في هذا الوقت ثمانية عشر عاما .
واتفق الموبذون بينهم ، وذهبوا إلى قباذ ، وقالوا له : « إننا لم نقرأ منذ عهد آدم عليه السلام ، إلى الآن - في أي تاريخ من التواريخ - ، ولم نسمع عن أي نبي ممن ظهروا في بلاد الشام بمثل هذا الذي يدعي مزدك . يبدو لنا أنه منكر » . قال قباذ : « خاطبوا مزدك في الموضوع لنرى ما يقول » . فاستدعى الموبذون مزدك ، وقالوا له : « ما حجّتك على ما تدعيه ؟ » . قال : « كذا أمر زرادشت ، وجاء في الزند والأوستا ، غير أن الناس لا يعونه . فإن كنتم في ريب من أمري فاسألوا النار » . وذهبوا إلى النار مرة أخرى وسألوها ، فانبعث من خلالها صوت يقول : « الأمر على ما يقول مزدك ، لا على ما تقولون أنتم » . واعترى الموبذين الخجل مرة أخرى وعادوا أدراجهم . وفي اليوم التالي ، قابلوا أنوشروان وشرحوا له الأمر . فقال : « إن مزدك يلاقي نجاحا لأن مذهبه هو مذهب المجوس عينه إلّا في أمرين » .
هامش
( 9 ) الطرّار : اللص ، النشّال الذي يشق كمّ الرجل ويسلّ ما فيه من الطر ، وهو القطع والشق . ( اللسان - طرر ) .