تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
الملوك ، وهما مربوطتان في ذراعي دائما . فإذا ما أوجستا رائحة السم في أي مكان ، أو مع أي شخص ، أو في الطعام والشراب ، تتحركان فورا وتتماسان ، وتظلان في حركة واضطرام دون أن يقرّ لهما قرار . حينئذ أعلم أن ثمة سمّا في المجلس ، فاحتاط للأمر وأتأهب له . فلما تخطيت أنت عتبة بهو المجلس ، شرعت الخرزتان في الحركة ، وكان حركتهما تزداد حدّة وهيجانا كلّما كنت تتقدّم إلى الأمام أكثر في المجلس . لمّا استقر بك المجلس أمامي ، أخذتا تتماسا تماسا لم يدع لي مجالا للشّك بأنك تحمل معك سمّا . اعلم أنه لو كان أحد غيرك لما أبقيت على حياته . ولمّا أخرجوك ، أخذت الخرزتان بالسّكون ، لكنهما لم تتوقفا إلا بعد خروجك من القصر » . آنئذ كشف سليمان عن ذراعه وأراها جعفرا ، وقال : « أرأيت في الدّنيا شيئا أعجب من هذا في حياتك ؟ » . كان العظماء جميعهم ينظرون إلى الخرزتين في عجب . قال جعفر : « رأيت في حياتي شيئين عجيبين لم أر مثلهما قط : الأول هذا الذي أراه مع الملك ، والآخر ما رأيته مع ملك طبرستان » . فقال سليمان : « كيف كان ذلك ؟ أسمعني » . قال جعفر : « لما وصل إليّ والي بلخ أمر مولاي بإرسالي إلى دمشق ، أذعنت للأمر ، وتأهبت للرحلة وأعددت للطريق عدّتها ، فتوجهت من نيسابور إلى طبرستان لبضاعة كانت لي هناك . لمّا وصلت إلى طبرستان استقبلني ملكها وأنزلني في قصره بمدينة آمل ، وبعث إليّ القرى « 47 » . كنا نلتقي يوميا في المجلس ، وعلى الخوان ، ونذهب إلى أمكنة مختلفة تنزها . وذات يوم قال لي في نشوة : « أتنزهت في البحر إلى الآن ؟ » . قلت : « لا » . قال : « أنت ضيفي في نزهة بحرية غدا » . قلت : « سمعا وطاعة » . ثم أمر الملاحين بأن يعدوا السفن ويهيئوها للغد . في اليوم التالي ، مضى بي الملك إلى ساحل البحر حيث ركبنا سفينة ، والمطربون يعزفون ويغنّون ، والملاحون يقودون السفينة إلى أن مضوا بنا إلى لجّة البحر ، في حين كان السّقاة يديرون ابنة الكرم دون انقطاع . وكنا - الملك وأنا - نجلس قريبين جدا إذ لم يكن بيننا أحد . لقد كان في إصبع الملك خاتم فصه من الياقوت الأحمر ، وكان جميلا إلى أبعد حدود الجمال ، صافيا وملونا ، حتّى إنّني لم أر مثله في حياتي . ولقد جعلني جماله أديم النظر فيه . لما رأى الملك أنّني أديم النظر في الخاتم ، نزعه من إصبعه ووضعه أمامي ، فانحنيت احتراما له ، وقبلت الخاتم ووضعته أمام الملك من جديد . لكنه تناوله ووضعه أمامي مرة أخرى ، وقال : « إنّ خاتما خرج من إصبعي هدية وعطاء لا يعود إليها » . فقلت : « إن هذا الخاتم لا يليق إلا بالملك » ووضعته أمامه ، غير أنه عاد فوضعه أمامي . ولأن الخاتم كان آية في الإبداع ، وثمينا قلت : « إن من
هامش
( 47 ) القرى ( بكسر القاف ) : طعام الضيف .