تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
النّدامى : « أيأمرني مولاي بالذهاب إليه لبحث الموضوع معه والبتّ فيه ، فنعرف ما يقول ، أيعترف أم ينكر » . قال سليمان : « اذهب » . نهض الرّجل وترك المجلس إلى جعفر ، وهناك سأله : « لقد ذهبت اليوم لمقابلة سليمان ، أفكنت تحمل معك سمّا ؟ » . قال جعفر : « أجل ، وما زال معي . إنه هذا الذي تحت فصّ خاتمي ، فعلى هذا سار آبائي من قبل . لقد انتهى إليّ هذا الخاتم إرثا عن والدي ، لكنه لم يحدث قطّ أن تسبّبت أنا أو أحد آبائي حتى بإيذاء نملة وهلاكها ، فكيف إذا وصل الأمر إلى آدمي ؟ ! أجل ، لقد اعتدنا حمله رغبة في الحزم والحيطة في الأمور ، فما أكثر ما لاقى آبائي من لدن الآخرين خسفا وتعذيبا من جراء المال والثروة . ففي الوقت الذي استدعاني فيه سليمان بن عبد الملك ، لم يطلعني أحد على حقيقة الموضوع الذي كان يطلبني من أجله ؛ فقلت في نفسي إنّه إذا ما طلب إليّ « ثبت الكنوز » أو سألني شيئا لا أستطيع الوفاء به ، أو سامني عذابا لا طاقة لي عليه ، لا بدّ لي أن أضع فصّ الخاتم في فمي وأرشف سمّه تخلّصا من العذاب والهوان » . لما سمع الرّجل حديث جعفر هذا ، عاد توّا إلى سليمان ، وتلا على مسامعه ما قال جعفر . فعجب سليمان لذكاء جعفر وبعد نظره ، وفرد أسارير وجهه ، وقبل عذره ، ثم أمر بإحضاره إلى بابه في موكب خاص . فذهب العظماء جميعهم إلى باب القصر الذي كان فيه ، وأتوا به إلى البلاط معزّزا مكرّما ، وكذلك فعلوا في اليوم التالي . لما مثل جعفر بين يدي سليمان ، مدّ إليه سليمان يده مصافحا ، وأخذ يسأله عن مشاق الطّريق ويلاطفه بكلام جميل ، ثمّ أجلسه وألبسه خلعة الوزارة في الحال ، ووضع الدّواة أمامه ليوقع جعفر بضعة تواقيع على مرأى منه . ويقال إن سليمان لم ير قطّ بما كان عليه من فرح وابتهاج في ذلك اليوم . لما خرج سليمان من مجلسه في القصر ، استخفه نشاط للشّراب ، فأعد لهم مجلس زيّن بالذّهب والجواهر ، وفرش بفرش موشّحة بخيوط من ذهب لم ير النّاس لها نظيرا قط ، ثم جلسوا للشّراب . وعلى حين كان سليمان نشوان جذلا ، سأله جعفر : « كيف عرف الملك ، من دون آلاف الناس ، أنه كان معي سمّ ؟ » . قال سليمان : « إنّ معي شيئا أعزّ عليّ من كل ما أملك وكل ما في الخزائن جميعها لا يفارقني أبدا . إنهما خرزتان كالجزع « 46 » ، لكنهما ليستا جزعا حقيقيا ، حصلت عليهما من خزائن
هامش
( 46 ) الجزع أو الجزع ( بفتح الجيم وكسرها ) : ضرب من الخرز ، وقيل : هو الخرز اليماني الذي فيه بياض وسواد تشبه به العين ، كما في قول امرئ القيس :كأنّ عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّبسمي جزعا لأنه مجزع أي مقطع بألوان مختلفة ، أي قطع سواده ببياضه . ( اللسان - جزع ) .