الإسلام وخرج السلطان من يد ملوك العجم ، اتخذ آباؤه بلخ دار مقام لهم وظلّوا هناك . لقد كانت الوزارة وراثية فيهم ، وهم الذين صنّفوا كتبا في السير ونظام الوزارة ، وكانوا حين يفرغ أبناؤهم من تعلّم الخط والأدب والكتابة ، يضعون تلك الكتب بين أيديهم ليقرءوها ويعوا ما فيها ، ويسيروا على هديها . لقد اقتدى الأبناء بآبائهم في سيرتهم اقتداء كاملا من شتّى الوجوه ، وليس في الدنيا كلها من هو أليق لوزارتك من جعفر . والأمر ما يراه الخليفة » .
ما إن سمع سليمان بن عبد الملك - الذي لم يكن في بني أميّة وآل مروان أعظم منه وأقدر - هذا الكلام حتى وطّن الفؤاد على استقدام جعفر من بلخ ، والعهد إليه بالوزارة . غير أنه قال في نفسه :
« لربما أن جعفرا ما زال مجوسيّا » ، لكنه لما سمع بأنه كان قد ولد مسلما غمرته الفرحة ، وأمر بكتابة رسالة إلى والي بلخ ليرسل جعفرا إلى دمشق ، ويعطيه ما يحتاج إليه من نفقات الطريق ووسائل الزينة والتّجمل ولو ألف دينار ، وأن يرسله إلى العاصمة في أبهى آيات الإجلال وأكملها .
وأرسل الوالي جعفرا إلى دمشق ، فكان كلّما وصل إلى مدينة يخرج كبارها لاستقباله ، ويقيمون له المآدب ، إلى أن وصل إلى دمشق . ولما وطأت قدماه أرض دمشق خرج كبراء الدولة والجيش ، إلّا سليمان بن عبد الملك ، عن بكرة أبيهم لاستقباله والترحيب به . واخترقوا به المدينة في أتم مظاهر الإجلال والاحترام وأبهاها إلى حيث أنزلوه في قصر لا يطاوله أي قصر جمالا وروعة .
بعد ثلاثة أيام مضوا به إلى سليمان بن عبد الملك ليمثل بين يديه . فلما دخل القصر ، ووقعت عينا سليمان عليه ، راقه منظره ومرآه . ولما دخل إلى بهو المجلس صحبه الحجّاب إلى المكان الذي أعدّ له بالقرب من سرير الملك فأجلسوه ، وعادوا .
وبعد أن جلس جعفر ، أخذ سليمان ينظر إليه بدقة وإنعام نظر ، وإذا به يقطّب جبينه ، ويقول في غضب : « انهض من أمامي » . فخفّ الحجّاب على الفور ، وأخذوه وأعادوه ، دون أن يدري أحد علّة ذلك . وبعد أن صلّى سليمان الظهر ، استخفّه نشاط للشّراب ، فحضر العظماء وجلس النّدمان ، ومدّت الأيدي إلى الصّهباء ، وأديرت الكئوس مرّات ، ودبّ فيهم النشاط والنّشوة . فلما رأى من في المجلس انفراد طبع سليمان وانفراج أساريره ، قال أحد الخاصّة : « مولاي الملك ، لقد أمرت بإحضار جعفر البرمكي من بلخ باسمي آيات الإعزاز والإكرام لشأن عظيم ، لكن ما إن مثل بين يديك وجلس حتى ثبّطت عزيمته وافترت همّته ، وأمرت بإخراجه . فما كان سبب ذلك ؟ فالقوم في عجب » . قال سليمان : « لو لم يكن جعفر من أسرة عريقة ، ولم يأت من مسافة بعيدة ، لأمرت آنذاك بضرب عنقه حالا ، لكنه كان يحمل معه سمّا قاتلا أتى به هدية لي في أول مرة يلقاني فيها » . فقال أحد العظماء من
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 212
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص٢١٢