ممّن لا نظير له في المملكة من ذوي المذاهب السّيّئة والعقائد الفاسدة من مثل اليهود والنّصاري والمجوس ، وآذى المسلمين واستخفّ بهم لحجّة في العمل أو الحساب ، فتجب تنحيته ومعاقبته إذا ما تظلموا منه واشتكوا ، ولا يغرّنّك قول شفعائه : « إنه لا يوجد في المملكة كلّها كاتب أو محاسب أو عامل مثله . إن ينحّ عن عمله ، فإنّ أضرارا بالغة ستلحق بالمعاملات جميعها ، ولا يستطيع أحد أن يقوم بهذه المهمّة بعده » . إنهم يكذبون ، ويجب ألّا يصغى إلى كلامهم ، بل يجب استبدال آخر بذلك الشخص مثلما فعل عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه .
عمر بن الخطّاب والعامل اليهودي
وهذا ما حدث في أيّام سعد بن أبي وقّاص ، إذ كان عامله في سواد بغداد « 36 » ، وواسط ، والأنبار ، وتلك النّواحي إلى تخوم خوزستان « 37 » والبصرة يهوديّا . لقد كتب سكّان المناطق المذكورة إلى أمير المؤمنين عمر يشكون إليه العامل اليهودي ويتظلّمون منه ، فقالوا : « إن هذا الرّجل يؤذينا بذريعة العمل والمعاملة ، دون حقّ ، ويستهزئ بنا ويستخفّ . لقد عيل صبرنا ، فإن يكن لا بد مما ليس منه بد ، فاجعل علينا عاملا مسلما كي لا يعاملنا بخلاف الأصول والقواعد ، ولا يسومنا الأذى والعذاب لأننا على دين واحد ، وإذا ما تصرّف خلافا لهذا ، فإنه لأحبّ إلينا أن نتحمّل وطأة الأذى والاستخفاف من مسلم لا من يهودي » .
لما قرأ أمير المؤمنين عمر الرسالة قال : « أيتسنى ليهودي يعيش على وجه الأرض سالما أن يشعر بالتّفوّق والفضل على المسلمين ؟ ! » . وأمر أن يكتب إلى سعد بن أبي وقاص : « اعزل ذلك اليهودي ، وولّ عمله مسلما » .
ولما قرأ سعد الرسالة ، أمر بندب خيّال إلى العامل اليهودي أنّى وجد ، والمجيء به إلى الكوفة . ثم بعث برسل آخرين إلى مختلف نواحي بلاد العجم ليأتوا بالعمّال المسلمين من حيث يجدونهم إلى الكوفة .
لما أحضر اليهودي والعمال الآخرون جميعا ، لم ير سعد في عمال العرب والعجم من المسلمين من له القدرة والكفاية على القيام بعمل اليهودي ، ولم يجد فيهم من يعرف أصول المعاملة مثله ، أو أن له خبرته وقدرته على تحصيل الأموال ، والإعمار ، ومعرفة الناس والإحاطة بما حصّل وما لم يحصّل من
هامش
( 36 ) يرى عباس إقبال هنا أيضا ( حاشية 2 ص 214 ) أن قول نظام الملك : « في سواد بغداد » لا معنى له في أيام سعد ابن أبي وقّاص ، للسّبب نفسه الذي ذكر في حاشية 3 ص 7 .
( 37 ) هي محافظة خوزستان الحاليّة ، ومركزها الأهواز .