تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥

حسن تدبير فخر الدّولة

يقال إنه كان في الرّي على عهد فخر الدّولة ، وقد كان الصّاحب بن عبّاد وزيرا له ، مجوسي ثري مقتدر يدعى « بزرجوميد » « 34 » ، بنى مقبرة لنفسه على جبل « طبرك » « 35 » ، تطل على قبة فخر الدولة ما زالت قائمة إلى اليوم ، وتعرف باسم « ديده سپاه‌سالاران » ( مطل القادة ) . لقد عانى بزرجوميد متاعب شتّى ، وأنفق أموالا طائلة في إقامته تلك المقبرة من طبقتين على قمة ذلك الجبل . وكان في الري محتسب اسمه « باخراسان » ، يقال إنه صعد إلى المقبرة بحيلة من الحيل في اليوم الذي انتهى فيه العمل فيها ، وأذّن للصّلاة من عليها ، فانتهك قدسيّتها - على مذهبهم - وأبطل حرمتها ، فأصبحت تعرف منذ ذلك الحين ب « مطلّ القادة » . وفي أخريات عهد فخر الدّولة ، نقل إليه رجال بريده يوما - وقد كان صاحب بريد - : « إن ثلاثين أو أربعين شخصا يخرجون باكرا كل يوم من المدينة إلى « مطلّ القادة » ، ويظلون إلى أن يلفّع الاصفرار الشمس » . حينئذ يهبطون وينتشرون في المدينة . وإذا ما سألهم أحد : « لم تذهبون إلى المطلّ يوميّا ؟ . يقولون : للتّنزّه » . وأمر فخر الدّولة بعض رجاله أن : « امضوا إلى هناك ، وإليّ بأولئك الناس ، ثم هاتوا كل ما تجدونه معهم » . فمضى عدد من رجال القصر وصعدوا الجبل إليهم ، لكنهم - حين لم يستطيعوا الوصول إلى المطلّ - صرخوا بأعلى أصواتهم من أسفل ليسمعوا الموجودين فيه . فلما أطلّ أولئك الرّجال ورأوا حاجب فخر الدّولة مع فريق من حاشيته ، أنزلوا لهم سلّما يصعدون به إليهم . فلما صعد رجال فخر الدّولة إليهم رأوا عندهم شطرنجا ممدودا ، ونردا ودواة وقلما وقرطاسا « كاغذا » وسفرة ، وإبريقي ماء وجرّة ، وحصيرا مبسوطا . فقال الحاجب : « انهضوا ، فإن فخر الدولة يستدعيكم » . ومضى بهم إليه . تصادف أن الصّاحب بن عبّاد كان جالسا إلى فخر الدولة حين وصولهم ، فسألهم فخر الدولة : « من أنتم ، ولم تذهبون إلى هذا المطلّ يوميا ؟ » ، قالوا : « للتّنزّه » . قال : « إن التّنزّه يكون في يوم أو يومين أو عشرة . لكنكم تتردّدون على هذا المكان يوميّا منذ مدّة طويلة ، أصدقوني القول » . قالوا : « ليس بخاف على الملك ولا على أحد ، أننا لسنا لصوصا ولا مجرمين ، ولا نخدع نساء الناس ونغويهنّ ، أو نختطف أطفالهم من على الطّرقات . إن أحدا لم يأت الملك قطّ في يوم من الأيام يشكونا إليه عن أذى وباطل .
هامش
( 34 ) بزرجوميد : معرب بزرگ أوميد أو « أميد » . وبزرگ بالفارسية : كبير ، وأميد : أمل ، وهو اسم مجوسي . ( 35 ) طبرك ( طبرك بفتح أوله وثانيه والراء ) : قلعة على رأس جبيل بقرب من مدينة الري على يمين القاصد إلى خراسان ( معجم البلدان . ثم راجع أيضا : بلدان الخلافة الشّرقية 240 و 252 ) .