تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
إن يؤمّنا الملك على أرواحنا وأنفسنا نخبره من نحن » . قال فخر الدّولة : « لقد أمنتكم على أرواحكم وأنفسكم وأموالكم » ، وأقسم على ذلك لأنّه كان يعرف أكثرهم . لما حصلوا منه على الأمان ، وأمنوا على أرواحهم ، قالوا : « نحن قوم من الكتّاب والمتصرّفين الذين ظلّوا عاطلين في عهدك ، ومحرومين من أي نصيب في دولتك . إن أحدا ، لم يولنا أي منصب أو عمل ، أو حتى يلتفت إلينا . ونسمع الآن بظهور ملك بخراسان يقال له محمود يجتذب إليه ذوي الفضل والموهبة وأهل العلم ، ولا يتركهم يهيمون على وجوههم . إننا نتطلع بآمالنا إليه بعد أن فقدنا الأمل في هذه المملكة ، وأننا نسير إلى المطل يوميّا لنشكو إلى بعضنا بعضا الدّهر ، ونسأل كل من يصل إلينا من جانب محمود عن أخباره ، ونكتب رسائل إلى أصدقائنا بخراسان نطلعهم على أحوالنا ، ونستفسر منهم تمهيدا للتّوجّه إلى هناك . فلقد أضحينا فقراء ، ونحن قوم ذوو عيال . إن الضّرورة لترغمنا على ترك أوطاننا ومسقط رأسنا وبيوتنا ، واختيار الغربة سعيا وراء العمل . هذه هي حالنا ، والأمر الآن أمر مولانا » . لما سمع فخر الدولة منهم هذا ، التفت إلى الصاحب بن عبّاد ، وقال : « ما ذا ترى ؟ ما الذي يجب فعله ؟ » . قال الصاحب : « لقد أعطاهم الملك الأمان ، وهم أهل قلم ، وأبناء أناس أصلاء ، وإنّني أعرف بعضهم . لأن أمر أهل القلم منوط بي ، فليعهد إليّ بهم ، لأتّخذ ما يلزم نحوهم ، وسأتلو على مسامع مولاي الكريمة أخبارهم غدا » . فأمر فخر الدولة الحاجب الذي أتى بهم بأن يأخذهم إلى قصر الصاحب بن عبّاد وينزلهم هناك . ومضى الحاجب بهم إلى حيث أمره مولاه ، ووضعهم في قصر الصّاحب وعاد . لكن أولئك الرجال كانوا في حيرة واضطراب ، خوفا مما سينزله الصاحب بهم من عقوبة . ولما عاد الصاحب من قصر فخر الدولة إلى قصره هو ، ألقى عليهم نظرة . ثم جاءهم أحد الفرّاشين ومضى بهم جميعا إلى حجرة كأنها الجنة في زينتها وفراشها الفاخر ومساندها المصفوفة ، وقال لهم : « اجلسوا حيث تشاءون » . فتوزّعوا ، وجلسوا على المفارش ، وجيء بالشّراب . ولمّا شربوا ، جيء بالطّعام ، فأكلوا وغسلوا أيديهم . ثم أعدّ لهم مجلس غناء وطرب ، وجيء بالخمرة ، فراحوا يحتسون كئوس الطّلا ، ويستمعون إلى غناء المطربين ، إذ لم يكن ثمّة أحد في مجلسهم ذاك سوى الفرّاشين الثّلاثة الذين كانوا يقومون على خدمتهم ، ولم يكن أحد يعلم شيئا على حالهم تلك ، فقد كانت المدينة بأسرها رجالا ونساء في قلق عليهم ، وكانت نساؤهم وأبناؤهم يبكون ويندبون . بعد ثلاثة أو أربعة أيام جاءهم أحد حجّاب الصّاحب بن عبّاد ، وقال : « إن الصاحب يقول : اعلموا أن قصري ليس سجنا ، وأنكم ضيوفي اليوم واللّيلة . فلو أريد بكم سوء لما أحضرتم إلى