تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وكانت لك ثمة أشياء في المغرب والشام ، والشّامات والأندلس إلى القيروان ، وحطّت لك الروم عصا الطّاعة . إن عدد ولايات كل ملك رهن بعدد جيشه ، تكثر بكثرته وتقلّ بقلّته ، وكلما قلّ عدد الجيش تناقص عدد الولايات ، وبالعكس . لا يخفى على الرّأي السّامي أنه حين يحتفظ بسبعين ألف رجل من أربعمائة ألف وتنسخ أسماء الآخرين من الديوان ، إن هذا العدد الأخير - على كل حال - أكثر من العدد الأوّل ! . إن الثّلاثمائة والثلاثين ألف رجل ، وكلّهم حملة سيوف ، إذا ما فقدوا الأمل في هذه الدّولة ، فإمّا أن يفزعوا إلى أمير أو ملك آخر ، وإمّا أن ينتخبوا رئيسا لهم ، فيجرّوا على الدولة من الويلات والمتاعب ما يستنزف كل ما تجمع في خزائنها لسنوات عدّة دونما اطمئنان إلى عواقب الأمور . الممالك لا تصان إلّا بالرّجال ، والرّجال لا يحفظهم إلّا المال . أما من يقول للملك : « صن الذّهب وسرّح الرّجال » فليس هو في الحقيقة إلّا عدوّ الملك ، لا يبغي سوى دمار الملك وفساده ، فالأموال لم تجمعها غير أيدي الرّجال . يجب ألّا يصغى إلى كلام ذلك الرّجل أو يلتفت إليه » . إن العاطلين والمحرومين من العمّال في مزاجهم سواء ، فإذا ما كانت لبعضهم مناصب كبيرة في الدّولة التي أدّوا فيها أعمالا مهمّة ، فعرفوا بها واشتهروا ، وأصبح لهم على الدّولة حقّ الخدمة ، فليس صحيحا أن تتجاهل حقوقهم ، وأن يظلّوا محرومين متروكين دون أن ينالوا نصيبهم ، أو أن يسند إليهم أي عمل . ليس هذا من المروءة والمصلحة في شيء ، بل الواجب أن يولّوا أعمالا ، أو يمنحوا ما يمكنهم من أن يعيشوا به عيش الكفاف ، لتقضى لهم بهذا بعض حقوقهم ، وينالوا نصيبهم في الدّولة . وثمّة فريق من أهل العلم والفضل والمروءة والشّرف ، ممّن لهم في بيت المال نصيب وممن يستحقّون الاهتمام وتولّي المناصب ، فلا هم يولون عملا ولا هم واجدون في الدّولة اهتماما ونفعا ، ولا حتّى عيشا . إنهم إذا ما ظلّوا محرومين ، لا نصيب لهم في الدّولة ، ودالت الأيّام إلى عهد يصبح كلّ أعوان الملك فيه من الجهلة والفاسدين الذين لا يطلعونه على أحوال هؤلاء المستحقّين ، ولا يولون العاملين منهم أعمالا ، ولا يجرون على الشّرفاء والعلماء جرايات أو يؤمّنون لهم سبل معيشتهم ، فإنّهم يفقدون حينئذ أملهم في الدّولة ، ويصبحون من أعدائها والمتسقّطين عيوبها ، فيشرعون بالمجاهرة بعيوب العمّال ( عمّال الخراج ) والكتّاب ومقرّبي الملك ، وبثّها على الملأ بعيدا عن أسماعه . ثم يأخذون في اصطناع الأراجيف ، وأخيرا يسوّدون عليهم من هو أكثر عدّة وجيشا وثروة ، ويبدءون بإثارة الشّغب ، ويخرجون على الملك ، فيضرمون نار الفتن والاضطراب في المملكة ، كالذي فعلوه على عهد فخر الدّولة .