رجيل ، أنت باطني تقول ببطلان حق خليفة اللّه » . قال الرجل : « يا مولاي ، لست بباطني ، بل شيعي إمامي ، يعني رافضي » . قال السلطان : « ما أحسن الرافضية مذهبا حتى اتخذتها ترسا تدرأ به عنك الباطنية ! ! » . وأمر الحجّاب بجلده ، ثم أخرج من القصر نصف ميّت . ثم التفت السلطان إلى زعماء القوم ، وقال : « ليس الذنب ذنب هذا الرجيل ، بل ذنب أردم الذي استعمل كافرا في خدمته . لقد قلت لكم مرة ومرتين ومائة مرة : أنتم الأتراك جيش خراسان وما وراء النهر ، إنكم لغرباء في هذه الدّيار . لقد أحرزنا هذه الولاية بالسيف والقوة ، وكلنا مسلمون أنقياء . إن أغلب أهل الدّيلم والعراق لمن ذوي المذاهب والعقائد والأديان الخبيثة السيئة ، وإن بين الأتراك والديالمة خلافات وإحنا ليست بنت اليوم ، بل متمادية في القدم .
لقد أعزّ اللّه ، عزّ وجلّ ، الترك اليوم وسلّطهم على رقاب الدّيالمة ، لأنهم مسلمون خلّص أطهار لا يعرفون البدع والأهواء ، أما الديالمة فهم منشأ البدع والمذاهب الفاسدة ، وخصومنا . إنهم سيظلون يدينون لنا بالطاعة والولاء - ما داموا عاجزين - ، لكنه إذا ما اشتد ساعدهم قليلا ، وآنسوا من جانبنا ضعفا ، لن يبقوا آنذاك على وجه الأرض تركيّا ، من حيث المذهب ، ومن حيث الولاية ، فأولئك قوم أدنى من الحمير والبقر ، لا يعرفون عدوّهم من صديقهم » . ثم أمر بإحضار مائتي درهم من شعر الخيل ، وسلّ شعرة منها ، وقال لأردم : « اقطع هذه » فتناولها أردم وقطعها . فناوله السلطان خمس شعرات غيرها ، فقطعها أيضا ، فناوله عشرا أخرى ، فقطعها بسهولة ويسر كذلك . ثم نادى السلطان أحد الفرّاشين ، وقال له : « اجدل هذا الشعر رسنا » ، فمضى وجد له رسنا من ثلاثة أذرع وأتى به إلى السلطان ، فأعطاه أردم ليقطعه ، فلم يستطع ، على ما بذل من جهد وقوة . حينئذ قال السلطان له : « إن الأعداء كهذا الشعر ، يسهل قمعهم ، واحدا واحدا ، واثنين اثنين ، وخمسة خمسة ، لكن تصعب زحزحتهم إذا ما تكاثر عددهم ، وتفاقم أمرهم ، وشدوا أزر بعضهم . حينئذ يصبحون شغلنا الشاغل بما يقومون به من أعمال الشغب والفتنة . إن هذا إلّا جواب قولك : « حتى لو كان هذا الرجيل سمّا كلّه ، فما الذي يستطيع فعله في الدولة ؟ » إنهم إذا ما أخذوا يتسرّبون إلى صفوف الترك واحدا في إثر آخر ، ويتسنمون لهم الأعمال والكتابة ، ويقفون إلى أحوالهم من كثب ، لن يمضي طويل وقت حتى يظهر التّمرد والخروج والفتنة في العراق ، أو على إغارة الدّيالمة على المملكة . فهم جميعهم متكاتفون سرّا وعلانية ، يسعون بينهم إلى هلاك الترك . أما وأنت تركي ، يجب أن يكون جيشك خراسانيّا ، وأن يكون عمّالك وكتبتك وأعوانك ومتصدّو شئونك خراسانيين أيضا ، وهكذا الأمر بالنسبة للترك جميعا ، لئلّا يجد الخلل له طريقا إلى شؤونهم وأمورهم . إن تمدد يدك إلى مخالفي الملك وأعدائه فإنك ترتكب خيانة بحقه وبحق نفسك ، أما إن كنت ترى أنك محق فيما تقوم به تجاه نفسك
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 198
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٩٨