تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥

الفصل الحادي والأربعون « في عدم إسناد عملين لشخص واحد ، وفي تشغيل العاطلين وعدم حرمانهم ، وإسناد المناصب والأعمال إلى المتدينين الحقيقيين والأصلاء ، وحرمان ذوي المذاهب السيئة والمعتقدات الخبيثة وإبعادهم »

لم يسند أحد من الملوك الأيقاظ والوزراء الأذكياء ، في أي عصر من العصور ، عملين إلى شخص واحد ، أو عملا واحدا إلى شخصين قط ، فكانت شؤونهم ، لهذا ، منظمة ذات بهاء ورونق . لأنه إذا ما أنيط عملان بشخص واحد ، لا مناص من أن يتسرّب الخلل إلى أحدهما أو يتوانى فيه على حساب الآخر ، فالمتصدّي إذا أراد القيام بواجبه نحو أحدهما خير قيام وتعهده والاهتمام به بجدّ فلا مندوحة من تسرّب الاختلال والتقصير إلى الآخر ، وبالعكس . وإذا أنعمنا النظر جيدا ، نلاحظ أن ثمة خللا وتقصيرا في عملي متصدي العملين كليهما ، وأن الشخص نفسه مناط تقصير وملامة دائما ، وأن مولّيه إياهما في تشكّ وتذمر دائمين . أما إذا ولّي شخصان عملا واحدا ، فإن هذا العمل يظل دون إنجاز ، لتواكل أحدهما على الآخر . قيل في الأمثال : « إن وجود سيدتين في المنزل مدعاة لقذارته ، ووجود مشرفين عليه مدعاة لدماره » . لأن كلّا من الشخصين لا بدّ أن يقول في نفسه دائما بأنه إذا ما أرهقت نفسي في القيام بواجبي في هذا العمل ، وحافظت عليه ، ولا أدع الخلل يأخذ إليه طريقه ، يظنّ رئيسنا أن هذا ليس إلا من كفاية رفيقي ومهارته ، لا نتيجة اهتمامي وجدّي وتفانيّ وجلدي ، وهكذا الأمر بالنسبة للآخر أيضا . لكنه إذا دقّقنا النظر نجد أن ذلك العمل يظلّ في اختلال دائم ، حتى إذا ما سأل رئيسهما : « لما ذا لم ينجز هذا العمل ، بل قصّر فيه ؟ » . يقول أحدهما : « إنه تقصير رفيقي ، ويحمّله مغبّة ذلك » ، ويقول الآخر : « إن رفيقي سبب التقصير كلّه » ، ويلقي التّبعة والجرم كله عليه . لكن إذا ما عدنا إلى الأصول والعقل ، يتبيّن لنا أن ليس الجرم جرم هذا ولا ذاك ، بل الجرم كلّه على من ولّاهما عملا واحدا .