فمن دلائل غفلة الملك وعجز وزيره تولية أحد عمال الديوان عملين أو ثلاثة أو خمسة أو سبعة .
أما في هذه الأيام ، فثمة من يتسنم سدّة عشرة مناصب ، دون أن تكون فيه أية كفاية . وإذا ما جدّ منصب جديد ، فإنه لا يألو جهدا في اتخاذه لنفسه ، ولو أدّى به الأمر إلى دفع المال مقابل ذلك ، فيولاه دون أن يحسب مولوه حسابا لما إذا كان هذا الشخص أهلا لهذا العمل أم لا ، ضليعا في الكتابة والتصرف في الأمور وإدارتها أم لا ، وأخيرا أيستطيع أن يثبت جدارته ويقوم بما وكّل إليه من أعمال أم لا ، في حين يحرم عدد كبير من الأكفياء واللائقين وذوي الجلد ، والمجرّبين والمعتمدين ممن لزموا بيوتهم عاطلين ، دون أن يخطر ببال أحد أن يسأل نفسه : « لما ذا يعهد بعدة مناصب وأعمال إلى المغمورين ممن لا كفاية ولا لياقة ولا أصل ولا فضل لهم ويحرم الأصلاء المعتمدون - لا سيّما أصحاب الحق على الدولة ، ممن قدّموا لها خدمات جليلة ، وأظهروا فيها كفاية ولياقة فائقتين - حتى من عمل واحد - ويظلون عاطلين هكذا ؟ » . وينتابني « 1 » أعجب من هذا ، وهو أن مولّي الأعمال في كل العهود كانوا يندبون لها من هم على مذاهبهم وشركائهم في العقيدة من الأصلاء المتقين ، حتى إذا ما رفض أحدهم وأبدى تمنّعا ولم يجبهم إلى ذلك ، كانوا يجبرونه ويسندون العمل إليه قسرا . لا جرم في أن المال لم يكن يذهب سدى ، وأن الرعايا كانوا في راحة واطمئنان ، وكان المستقطعون يتمتعون بسمعة حسنة ويعيشون عيشة هادئة ، وكان الملك يقضي أيامه ناعم البال رخيّ الحال . لكن لا وجود لهذا اليوم ، لأنه يسمح لليهودي والزرادشتي والرافضي بتولّي الكتابة للأتراك ( السلاجقة ) وإدارة شؤونهم . لقد استولت عليهم الغفلة ، فليست فيهم حمية على الدين ، ولا شفقة على المال ، ولا رحمة بالرعية . فالدولة وصلت إلى أوج كمالها ، وإنني لأخشى عليها العين ، ولست أدري إلام ستئول الأمور ، إذ لم تكن لأي زرادشتي ومسيحي ورافضي الجرأة حتى على إظهار نفسه في عهد محمود ومسعود وطغرل وألب أرسلان ، أو على القدوم إلى أي تركي ، فقد كان كل كتبة التّرك والقائمين على شؤونهم والمتنفذين فيها من خراسان ، ومن الحنفية أو الشافعية الأطهار . ولم يكن الترك ليفسحوا المجال أمام كتبة العراق وعمّال خراجها من ذوي المذاهب السيئة ، بل لم يكونوا ليجيزوا استخدامهم أو تولّيهم أي عمل . وكانوا يقولون : « هؤلاء على مذهب الديالمة ومن أتباعهم . فإن يوطدوا أقدامهم ، يلحقوا بالأتراك الضّرر ، ويحيقوا بالناس الأذى . إنه لمن الخير ألا يكون للأعداء وجود بين ظهرانينا » . ولا جرم في أنهم كانوا يعيشون في منأى عن المصائب والمتاعب والآفات . لكن الأمور وصلت الآن إلى حد انبثّوا فيه في البلاط والديوان بكثرة ، حتى إنه ليجري وراء كل تركي مائتان
هامش
( 1 ) أي نظام الملك نفسه .