ذهبت المرأة إلى الخزانة ، فأخذت عهد الخليفة ، ومضت به إلى منزلها . وفي اليوم التالي أمرت بأن تسرّج الخيول وتحمّل البغال ، وأعلنت : « إنني ماضية إلى القرية كذا لشراء أملاك ، وسأبقى هناك أسبوعا واحدا » . وغادرت توا ، ونزلت بتلك القرية . وكانت المرأة قد حصلت من قبل على « وثيقة مفتوحة » « 33 » فيها : « يجب احترام هذه المرأة ومن معها ، وإكرام وفادتهم في كل مكان يحلون به ويقيمون فيه في ولايتي سمرقند وبخارى ، يشترون هناك الأملاك ويؤسسون الضياع . وعلى الولاة والعمال والرؤساء ألا يتوانوا في بذل كل عون ممكن لهم ، وتوفير كل ما يطلبون ، وتقديم ما يحتاجون إليه من الأطعمة » .
وفي منتصف إحدى الليالي ، تركت المرأة القرية إلى « ترمذ » مارة بمدينة « كش » « 34 » على بعد ثلاثة فراسخ من سمرقند ، فوصلت إليها بعد خمسة أيام . وكانت تعرض « الوثيقة المفتوحة » أينما احتاجت إليها ، ثم تمتطي جيادها قريرة العين . أما الخاقان فلم يستطلع خبر ذهابها إلا بعد أن عبرت « جيحون » ووصلت إلى بلخ ، ولم يراوده أي شك عن « عهد الخليفة » قطّ .
ومضت المرأة من بلخ إلى غزنين تحمل « العهد » إلى السلطان محمود . فما كان من محمود إلا أن أرسله بيد أحد العلماء من ذوي القدرة على المناظرة والجدل ، وحمّله عددا من الهدايا إلى أمير المؤمنين القادر باللّه ، ورسالة تقول : « في حين كان أحد خدمي يتجول في سوق سمرقند ، مرّ بمسجد فيه مؤدب بيده كتاب يعلّم منه الصّبيان ، فوقعت عليه - على « عهد أمير المؤمنين » - بين أيدي أطفال صغار يعبثون به ، فذا يشده إلى طرف ، وذلك إلى طرف آخر ، ويمرغونه في التراب . لما عرف الخادم العهد أخذته عليه الغيرة ، فأحضر قدرا من الزبيب أعطاه الأطفال وحصل عليه منهم بثمن بخس لا يساوي الورق الرخص ، ثم حمله إلى غزنين وقدمه إليّ ، وها أنا ذا أبعث به إلى مولى العالم . إن يتفضل أمير المؤمنين بتقدير هواي معه وخدماتي له فيمنحني مزيدا من الألقاب ، فإنني سأعتزّ بها أكثر من اعتزازي بناظري ، وأجعلها تاج رأسي ، وأحتفظ بها في أعزّ مكان في بيتي . لقد حجب مولاي الألقاب عني ، على الرّغم من طاعاتي وخدماتي وتوقّعاتي ، ومنحها من لم يعرفوا لأوامره وخلعه وعهوده قدرها ، بل استخفوا بها استخفاف خاقان سمرقند وأهانوا الألقاب التي منحوها » .
لمّا وصل العالم إلى بغداد وأوصل الهدايا وسلّم الرسالة ، تملّك الخليفة العجب ، فأمر بكتابة رسالة
هامش
( 33 ) هذه ترجمة للفظة « گشادهنامه » . وقد آثرت هذه الترجمة على ترجمة مترجمي « تاريخ البيهقي » لها ب « كتاب مفتوح » لما لهذا الاصطلاح من مفهوم معاصر خاص . ( تاريخ البيهقي . الترجمة العربية - كشاف المصطلحات التاريخية ص 408 ) .
( 34 ) كش : مدينة من مدن الصغد فيما وراء النهر . لعلها هي المعروفة اليوم بكتاب ( بلدان الخلافة الشرقية ) .