لما أرسل الخاقان والخاتون في طلبها يستفسران : « لما ذا قاطعتنا ولم تأت إلينا ؟ » ، فأجيبا بأنها :
« ذهبت منذ يومين أو ثلاثة لشراء ملك في القرية كذا » فرحا جدا ، وقالا : « لقد ألقت عصا الترحال هنا » . وقضت ستة أشهر في خدمتهما على هذا النحو أخبرتها الخاتون في خلالها عدة مرات : ( إن الخاقان يقول لي دائما : « إنه ليعتريني الخجل حين أراها - أي أنت - ، فقد أدت لنا خدمات جلّى ، وكانت تأتينا بالتحف والهدايا كل بضعة أيام ، في حين أنها لم تقبل شيئا مما عرضنا عليها . إنني لم أر امرأة بهذه الطيبة قط ، ما الذي يجب أن نفعله نحوها ؟ » أما أنا ، فأكثر خجلا منه ألف مرة ) . وأما المرأة فكانت تقول : « ليس ثمة نعمة أحسن عندي من رؤية مولاي ومولاتي اللذين جعل اللّه - عزّ وجلّ - رزقي عليهما . إنني لن أتردد في طلب أي شيء إذا ما احتجت إليه » . وراحت تعلف الخيول جيدا لتسمينها ، وأعطت - سرّا - ما كان لديها من ذهب وجوهر ومفروشات وألبسة تاجرا كان يتردد بين غزنين وسمرقند في تجارة له ، ثم أرسلت خمسة خيّالة على خمسة جياد أصيلة باتجاه طريق بلخ وترمذ ، وقالت لهم : « أريد من كل واحد منكم أن يتوقف بجواده في منزل من منازل الطريق إلى أن أصل إليه » . ثمّ مضت إلى الخاتون ، وقد كان الخاقان يجلس معها ، فبعد أن أطرتهما وأثنت عليهما معا ، قالت : « جئت اليوم في حاجة ، لا أدري أأقولها وأطلبها أم لا ؟ ، قالت الخاتون : « يا له من عجب هذا الذي أسمعه منك ، كان يجب أن نكون قد قضينا لك مائة حاجة إلى اليوم ، انطقي بحاجتك » . قالت المرأة : « تعلمان أنني لا أملك في الدنيا سوى ابن هو محط آمالي . إنني لمهتمة بتربيته جدا ، فقد ختم القرآن ، ووكلته إلى مؤدب أحسن تأديبه وتعليمه ، إذ قرأ عليه كتبا ورسائل بالعربية والفارسية . وأملي كبير في أن يتاح له حظ حسن في عهد مولاي ومولاتي . ليس ثمة وثيقة على وجه المعمور ، بعد كتاب اللّه تعالى وحديث رسوله الأكرم ، أعظم من عهد أمير المؤمنين إلى الملوك ، لأن كاتب عهود أمير المؤمنين أفضل من جميع الكتاب ، وألفاظ العهود ومعانيها أحسن الكلام وأعذبه . ألا يتفضل مولاي ومولاتي - إن يريا ذلك - عليّ بالرسالة التي تعرف ب « عهد أمير المؤمنين » مدة ثلاثة أو أربعة أيام ، ليقرأها ابني على مؤدبه بضع مرات . إنه لكثير جدا أن يتعلم منها خمسة ألفاظ ، فهي كفيلة بأن تمنحه ببركاتها السعادة وحسن الحظ » . فقالا لها : « أي حاجة هذه التي تريدين منا ! لم لم تطلبي مدينة أو ناحية لنهبك إياها ؟ إنك لم تطلبي في خلال هذه المدة شيئا ، وتجيئين الآن لتطلبي شيئا ملقى - كخمسين مثله - في خزانتنا وقد تراكم عليه الغبار والتراب . ما قيمة قطعة من الورق ؟ إن تريدي نمنحك الرسائل كلها » . قالت المرأة : « حسبي الرسالة التي أرسلها الخليفة » . وأمر الخاقان والخاتون أحد الخدم أن يصبحها إلى الخزانة ويعطيها أية رسالة تريد .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 190
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٩٠