وملك الشرق والصين ، فغبطه محمود عليه وأخذته الغيرة ، فأرسل رسوله إلى الخليفة مرة أخرى ، وقال : « لقد فتحت في بلاد الكفر الفتوح ، ووطدت عز الإسلام في الهند وخراسان والعراق ، واستوليت على ما وراء النهر ، وكنت أحارب بالسيف باسمك . إن الخاقان - وهو الآن من مطيعيّ وعمالي - يمنح ثلاثة ألقاب ، في حين أمنح أنا لقبا واحدا بعد كثير من الهدايا والالتماسات » . فأجابه الخليفة : « اللّقب تشريف للرجل يزداد به شرفا ، ويعرفه به الملأ أيضا . اعلم أن للنّاس أسماء وضعها لهم آباؤهم وأمهاتهم ، وكنّى وضعوها هم لأنفسهم ، وألقابا يمنحها الملك إياهم ، وأن ما زاد على هذه الثلاثة حشو وباطل وكذب ؛ والعاقل لا ينطلي عليه الباطل والمحال . إن الناس يدعون الإنسان باسمه في صغره ، وهذا ما يرضي والديه لأنهما هما اللّذان اختارا له هذا الاسم ، لكنه ما إن يصير رجلا يميز الحسن من القبيح جيدا ، يختار بوحي عقله وفكره وعلمه كنية لنفسه ، وكما قيل : « الكنى بالمنى » . ثم يدعوه الناس تعظيما له بالكنية التي اختارها ليفرح بهذا ويسر .
فإذا ما أبدى امرؤ لياقة ومهارة في المملكة والأمة ، فإن الملك يمنحه لقبا - على سبيل التشريف - على قدره يظهره على أقرانه ويجعل له فضلا عليهم . فيكون من يمنحه الملك أو الخليفة لقبا أفضل مما منحه إياه والده ، ومما اختار هو لنفسه . ثم يدعوه الناس بما خلعه عليه الملك ، وذلك هو اللقب .
إن كل ما يتخطى هذه الأشياء الثلاثة من ألقاب ليس سوى لقب حسب . . . إن الخاقان لقليل علمه ، وهو تركي من أمراء الأطراف ، ولقد أجبناه لطلبته لقلّة علمه ورعاية لشرفه . أما أنت ، فعلى معرفة بكل علم ، ومنّا قريب ، إن رأينا فيك وثقتنا بك ، واعتمادنا عليك ، وتيقّننا من تديّنك ، لأفضل وأرفع وأكثر من أن تطلب إلينا لقبا يجري على ألسنة الناس ويسطّر في كتاب ، أو أن تتوقع ما يتوقعه قليلو المعرفة والعلم » .
وأسقط بيد محمود لما سمع هذا الجواب . غير أنه كان ثمة امرأة تركية الأصل ، تقرأ وتكتب وتعرف اللّغة « 29 » ، حلوة الحديث . كانت هذه المرأة تؤم قصر محمود دائما تتحدث إليه وتطايبه وتمازحه وتعاشره ، وتقرأ بين يديه كتبا وحكايات فارسية ، وكانت جريئة معه إلى أبعد مدى . ففي حين كانت تجالسه يوما وتطايبه ، قال لها : « لقد جهدت كثيرا في أن يزيد الخليفة في لقبي ، لكنه لم يفعل ، على حين أن للخاقان - وهو من مسخريّ - عدة ألقاب ، وليس لي سوى لقب واحد . لو أن شخصا يستطيع سرقة « عهد » الخليفة إلى الخاقان أو الحصول عليه ، بطريقة من الطرق ، ويأتيني به لأعطيته ما يريد » .
هامش
( 29 ) ربما كان يقصد « الفارسية » .