تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
الكلب إلى أن أشبعه وأمّنه ، وآنذاك وضع الرسن في عنقه وسلمه إلى الخادم ، وقال : « خذه إلى البيت الذي ننزل فيه » . وعاد من السوق فورا . ولمّا وصل إلى البيت ، أمر بشراء ثلاثة منوات دهن وإذابتها على النار وإتيانه بها حالا . ثم تناول قضيبا خشبيا لفّ على رأسه قطعة قماش قديمة وصوفا ، ونهض من مكانه واقترب من الكلب ، وأخذ يغطّ القضيب بالوعاء الذي فيه الدهن المذاب ، ويدهن جلد الكلب بيده إلى أن دهنه كله ، ثم قال لخادم له : « لست بأكثر وقار مني ، وليس بعائبي ما قمت به ، ويجب ألا يعيبك - وأنت خادمي - أيضا . أريدك أن تدق مسمارا في الحائط تربط به الكلب ، وأن تقدم له منوي خبز يوميا ، الأول صباحا ، والآخر مساء ، وأن تدهن جلده بالدهن المذاب الحار مرتين في اليوم ، وتطعمه ما يتبقى على « السفرة » من العظم وفتات الخبز ، إلى أن تتحسن حاله » . وشرع الخادم بتنفيذ ما أمره به سيده . وبعد أسبوعين إذا الكلب ينسلخ عنه الجرب ، وينبت الشعر في جلده ويسمن جيدا ، وتتحسن حاله بحيث لم يعد سهلا إخراجه - حتى بالعصا - من ذلك البيت . ومضى الحاج الرئيس بالقافلة ، فأدى فريضة الحج ، وأنفق في تلك الطريق مالا كثيرا ، ثم عاد إلى مرو الروذ التي توفي فيها بعد سنوات . وبعد انقضاء مدة على وفاته رآه أحد الزهاد في المنام على براق ، والحور والغلمان من خلفه وأمامه ، ومن على يمينه ويساره يسوقونه ببطء فرحين ضاحكين في روضة من رياض الجنة . فهرع نحوه وسلم عليه ، فما كان منه إلا أن شدّ إليه عنان البراق ، وردّ على الزاهد السلام ، فسأله الزاهد : « يا فلان ، لقد كنت في بدء حياتك رجلا مؤذيا للناس غير رحيم بهم ، متطاولا عليهم ، لكنك لما أفقت من سباتك ، كففت عن إيذائهم ، وعدلت عن سيرتك الأولى ، حتى إن ما قمت به من عمل الخير ، وبذل الصدقات ، وإنفاق الأموال على المستحقين لم يقم به أحد ، فضلا عن أدائك فريضة الحج . قال لي بأي عمل بلغت الدرجة التي أنت فيها الآن ؟ » . فقال : « أيها الزاهد : لقد عجبت في أمر اللّه تعالى ! ومن الأفضل أن تعتبر أنت أيضا ، ولا تتكئ على الطاعة وتغترّ بالعبادة كثيرا . اعلم أن مكاني كان معدا في جهنم للمعاصي التي كنت أرتكبها في شبابي ، وإن لم تكن ثمة فائدة لما قدمت من طاعة وأنفقت من خيرات بعد ذلك ، وإن كل صلاتي وصومي قد رميت في وجهي وأنا في النزع الأخير . إن الطاعات والصدقات والخيرات والمساجد والمآوي ، والجسور ، وأداء فريضة الحج ، ذهبت كلها هباء منثورا ، وإن اليأس بلغ بي حدا قطعت معه الأمل في الجنة وأيقنت أن لا بد من عذاب النار والأصوات تتهادى إلى سمعي أن : « لقد كنت كلبا من كلاب الدنيا ، لكنّنا غفرنا لك ، ومحونا عنك جميع معاصيك ، فأدخلناك الجنة ، وحرّمنا عليك النار ، بإحسانك إلى كلب