خلعت له عنك رداء الكبر ، ورحمته وترفقت به » . ثم رأيت ملائك الرحمة آتين مسرعين كالبرق ، فخلصوني من أيدي ملائكة العذاب ومضوا بي إلى الجنة . إن ذلك العمل هو الوحيد الذي انتشلني - من بين طاعاتي كلها - من حال الشقاء تلك » .
لقد ذكرت هذه الحكاية ، ليعلم سيد العالم - خلّد اللّه ملكه - أن الإحسان خصلة جيدة حميدة .
ففي إحسان موسى ( عليه السلام ) إلى الشاة ، والحاج الرئيس إلى الكلب نالا ما نالا من درجات في الدنيا والآخرة . من هنا يعرف إذا ثواب اللّه - عزّ وجلّ - لمن يحسن إلى مسلم معوز ويأخذ بيده .
ولخشية ملك الزّمان ربّه وتقديره عواقب الأمور ، فما كان إلّا عادلا في كل حال ، وما كان العادل إلا محسنا وكريما . إن يكن الملك على هذا النحو ، فإن جميع عمّاله وأفراد جيشه ينسجون على منواله ، ويقتدون به . ولا جرم ، من أن ينعم خلق اللّه ، ويجنوا ثمرات هذا في الدنيا والآخرة إن شاء اللّه تعالى .
* * * كان من عادة الملوك اليقظين أن يرعوا حرمة المسنين المجربين جوّابي الآفاق ، وأن يتعهدوا الماهرين في الأعمال ، والعارفين بشؤون الحرب ، بأن يجعلوا لكل منهم مقاما ومنزلة أثيرة لديهم . لقد كانوا يتدبرون ، مع الحكماء والمسنين الذين طوّفوا الآفاق ، الأمور التي ترتبط بشؤون المملكة ومصالحها وعمرانها وأبنيتها الرفيعة ، والأمور التي تتصل بترقية هذا وتنحية ذاك ، وإقامة علاقات مع الآخرين ، والتعرف إلى أحوال المملكة ، والتحقق من أمور الدين ، وأمثالها . وكانوا إذا ما جدّ طارئ عدواني وحربي يتخذون التّدابير كلها مع من مارسوا الحروب ولهم فيها خبرات وتجارب كثيرة ، فيأتي الأمر وفاقا للهدف المرسوم . وكانوا إذا ما نشبت الحرب ، يرسلون إليها من خاض غمار المعارك الكثيرة ، وهزم الجيوش الكثير عددها واحتل القلاع ، وذاع اسمه في العالم باسم « الرّجل الشّجاع » . وكانوا ، على الرغم من كل هذا ، يرسلون شخصا مسنا ممن جابوا البلاد ومن ذوي الخبرات ، لتجنّب الوقوع في الخطأ . لكن ما يحدث الآن ، أنه إذا ما طرأ طارئ يندب له من لا خبرة لهم من الأطفال والشباب المبتدئين ، ومن هنا يبرز الخطأ . إنه لمن الصّواب ، - درءا للأخطار - أن تتخذ الاحتياطات والمحاذير الكافية في هذا الموضوع دائما .
فصل في الألقاب « 22 »
فكثرت الألقاب كثرة هائلة ، وكلّما كثرت ذهب بهاؤها ، وقلّت أهميتها . كان الملوك والخلفاء يضنون دائما في المخاطبة بالألقاب ومنحها ، لأن الحفاظ على ألقاب الأشخاص ومراتبهم وأقدارهم
هامش
( 22 ) جاء هذا الفصل مستقلا في بعض طبعات الكتاب .