تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
لا طاقة لها على السير أهوى إليها وحملها إلى مقربة من القطيع . فما إن وقعت عليه عيناها حتى هشّ له قلبها ، وعادت إليها قوتها وحيويتها ، فأنزلها موسى من على عنقه ، وهرعت الشاة إلى القطيع وانضمت إليه . حينذاك نادى الحقّ ، تعالى ، ملائك السماوات ، وقال : « أرأيتم ترفّق عبدي بتلك الشاة البكماء ، وكيف أنه ، على ما تكبّده من جهد وتعب ، لم يؤذها ، بل واساها وأحسن إليها ؟ ! وعزّتي ، لأرفعنّه وأتخّذنّه « كليمي » ، وأجعله نبيا ، وأنزل عليه الكتاب ، ليظل الناس يتحدثون عنه مدى الحياة » . ثم وهبه كل هذه الكرامات .

الحاج المروذي والكلب الأجرب

كان في مدينة « مرو الروذ » « 19 » رجل يدعى « الحاج الرئيس » . وكان محتشما مشهورا ، وذا نعمة وضياع ومستغلات كثيرة ، ولم يكن بخراسان في زمانه من هو أشهر منه وأقدر . خدم السلطانين محمودا ومسعودا . وقد كنا رأيناه « 20 » . لقد زاول في فتوّته وشبابه ضروب الاستبداد والوحشية والتعذيب ، والشدة في تحصيل الأموال وابتزازها والمطالبة بها ، وتشتيت شمل العائلات ، فلم يكن ثمة أقسى وأطيش وأكثر استخفافا منه . غير أنه صحا من سباته في نهاية الأمر ، فكفّ عن التسلط على الناس وإيذائهم ، وتحول إلى فعل الخير من مثل : مواساة الفقراء ، وإنشاء القناطر ومحطات الاستراحة على الطرقات . ثم حرّر كثيرا من العبيد ، وسدّد ديون المفلسين والمعدمين ، وكسا اليتامى ، وأعان الحجاج والغزاة ، وبنى مسجدا جامعا في مدينته ، كما أنشأ مسجدا جامعا عظيما بنيسابور . وبعد أن قدّم كثيرا من أعمال الخير ، مضى لأداء فريضة الحج في أيام الأمير جغري « 21 » ، رحمه اللّه . لما وصل إلى بغداد أقام بها حوالي شهر . وفي تلك الأثناء ، خرج من المنزل يوما ، فرأى في ممر بالسوق كلبا شديد الجرب ، وقد تساقط شعره كله عن جسمه ، وأعياه الألم وأقعده . تألم الرجل لحال الكلب ، وقال : « إنه ذو روح أيضا ! ومن مخلوقات اللّه عزّ وجلّ » ، ثم قال لخادم له : « اذهب ، واحضر منوي خبز ، ورسنا » . ووقف في مكانه إلى أن جاءه الخادم بما أراد ، فأخذ يفتت الخبز بيده ، ويلقي به أمام
هامش
( 19 ) مرو الروذ : المرو الحجارة البيض تقتدح بها النار ، والروذ - بالذال المعجمة - معرب « الرود » - بالدال المهملة - وهو النهر بالفارسية ، فكأنه مرو النهر . ومرو الروذ مدينة كانت قريبة من مرو الشاهجان ، وكانت تقع على نهر عظيم فسميت به . ( معجم البلدان ) . تقع في مرو الروذ اليوم مدينة « بالأمرغاب » أي ( مرغاب الأعلى ) على طريق بلخ . ومرو الروذ غير مرو الشاهجان التي كانت تقع في محل « مرو » الحالية ( عباس إقبال : حاشية 2 ص 181 ) . ( 20 ) يقصد المؤلف نفسه هنا . ( 21 ) هو الأمير جغري داود السلجوقي أخو طغرل الأول ووالد السلطان ألب أرسلان . ( عباس إقبال : حاشية 1 ص 183 ) .