لما وصلنا إلى باب بيته ، وقفت عنده ، ودخل هو ثم خرج يحمل جرابين على كتفيه . فقال لي : « لنعد ثانية إلى تلك المستورة » . فقلت : « إن يكن لا بد من الذهاب ، فدعني أحمل الجرابين لأتكفل هذا العبء » . قال عمر « يا زيد ، إن تتعهد هذا العبء ، فمن يتولى عبء الذنوب عن عنق عمر ؟ » .
وقطع عمر الطريق كلها بحمله إلى تلك المرأة ، فأنزل الجرابين من على ظهره ووضعهما أمامه ، وكان في أحدهما دقيق ، وفي الآخر أرز وحمص ودهن وألية . ثم قال لي « يا زيد ، اجمع ما تجد هنا من شيح وقيصوم وائتني به بسرعة » . ورحت أسعى في طلب الحطب وجمعه ، في حين تناول عمر الإناء وأحضر ماء ، وغسل الأرز والحمص ، ووضعهما في القدر ، وأضاف إليهما دهنا وألية ، ثم صنع من الطحين « كماجة » « 17 » كبيرة . وأتيته بالحطب فأعد الطعام بنفسه ، وصنع الكماجة على الجمر . لما نضج الخبز والطعام ، ملأ عمر الوعاء طعاما وفتّ الخبز فيه ، ولما برد ، قال للمرأة : « أيقظي الطفلين ليأكلا » .
فأيقظتهما ، ووضع الطعام أمامهما وابتعد عنهم ، ثم بسط سجادته وشرع يصلي . ولما نظر عمر إليهم ، بعد مضي وقت ، فرأى أنهم قد شبعوا جميعا وأن الطفلين يلاعبان الأم ، نهض من حيث هو ، وقال :
« أيتها المرأة ، عليك بالطفلين ، وأنا بالجرابين ، وزيد بالقدر والوعاء ، وهيا بناء إلى منزلك » . ففعلوا ومضوا .
لما عادت المرأة وأطفالها إلى البيت ووضع عمر الجرابين ثم همّ بالعودة ، قال للمرأة : « ترفّقي بعمر وارحميه ولا تكليه إلى اللّه بعد ، فليس له طاقة على عذابه وعتابه ، عزّ وجلّ . إنه لا يعلم الغيب ليعرف حال كل فرد . كلي أنت وطفلاك مما أحضرت وأخبريني ، حال نفاده ، لآتيك بغيره » .
( موسى « عليه السلام » ) والرفق بالحيوان « 18 »
يقال : لما كان موسى ( عليه السلام ) يرعى الغنم يوما ، أيام كان راعيا للنبي شعيب ( عليه السلام ) ولمّا يأته الوحي ، انفردت شاة عن القطيع ، فأراد أن يعيدها إليه . غير أن الشاة فرّت ومضت في الصحراء ، ولما لم تر القطيع استمرت في جريها من شدة الذعر . وتبعها موسى إلى فرسخين أو ثلاثة ، حيث أعياها الجهد فسقطت من الإعياء إلى حدّ لا تقو معه على النهوض .
لما أدركها موسى رقّ لحالها ، وقال : « أيتها المسكينة ، لم كنت تهربين ، وممّ كنت تخافين ؟ » . ولما رأى أن
هامش
( 17 ) لفظة « كماج » فارسية ، لم تذكرها المعاجم العربية ، ولم أجدها في كتب المعربات . لكن صاحب « المنجد » ذكر أنها معربة عن الفارسية . والكلمة مستعملة في عدد من لهجات بلاد الشام .
( 18 ) وردت هذه الحكاية بنحو آخر في تاريخ البيهقي ص 220 ( الترجمة العربية ) .