وحدث ، أن رأى كل منهما في منامه في تلك الليلة أن : « الساعة قامت ، وأحضر الخلائق يساقون واحدا واحدا للحساب ، والمصطفى ، صل اللّه عليه وآله ، يتشفّع لهم فيمضون إلى الجنة . وأمسك أحد الملائك بيديهما ( الرشيد وزبيدة ) ، ليأخذهما إلى مكان الحساب ، فاعترضه ملك آخر ، وقال : إلى أين أنت ماض بهما ؟ لقد أرسلني المصطفى ، صلى اللّه عليه وآله ، وقال : لا تدعهما يتقدمان ما دمت حاضرا ، لئلا يعتريني فيهما الخجل ولا أستطيع أن أقول بشأنهما شيئا ، لأنهما حسبا أن أموال المسلمين أموالهما ، فحرما المستحقين ، ونصّبا نفسيهما مكاني » . وأفاقا من نومهما حيرانين ذاهلين ، فقال هارون لزبيدة : « ما دهاك ؟ ! » . قالت : « رأيت في منامي كذا وكذا ، فاعتراني الفزع » . قال هارون : « ورأيت مثل هذا في المنام أيضا » . ثم شكر اللّه تعالى على أن يوم البعث كان رؤيا لا حقيقة .
في اليوم التالي فتحا باب الخزائن ، وأمرا مناديا ينادي في الناس : « على المستحقين أن يحضروا ، لنعطي كلّا من بيت المال نصيبه ، ونوفيه حاجته ومراده » .
فتدافع الناس ، بكثرة ، حتى بلغ ما قسم الرشيد من أعطيات وجرايات ثلاثة آلاف دينار « 2 » . ثم قالت زبيدة للرشيد : « إن بيت المال في حوزتك ، وأنت الذي تسأل عنه في الآخرة لا أنا . اعلم أنك بإزاحة عبء بعض الأمور عن كاهلك والخروج من عهدتها قد أصبت توفيقا في هذا الأمر . إن ما أعطيته المسلمين لم يكن إلا من أموال المسلمين ، أما أنا فسأعطي الناس من أموالي الخاصة ابتغاء رضى اللّه وثواب الدار الآخرة . إنني أعلم علم اليقين أن لا بد من الرحيل عن هذا العالم ، وترك النعمة والثروة . وعليّ أن أقدم بنفسي زادا من دنياي لآخرتي » .
وأخرجت زبيدة ما يساوي بضعة آلاف ألف دينار « 3 » من الجواهر والفضة والثياب من خزائنها ، وقالت : « يجب أن ينفق هذا كله في سبل الخير ، ليظل أثره ، ودعاء الناس بالخير يترى إلى يوم الدين » .
وأمرت بحفر الآبار الكبيرة الواسعة ، وإقامة الأحواض وصهاريج الماء في كل مرحلة من المراحل الممتدة على طريق الحج من الكوفة إلى مكة والمدينة ، على أن تبنى جميعها من قمتها إلى قاعها بالحجر والآجر المشوي والجصّ والملاط ، لتوفير المياه للحجيج في الصحراء التي كان يموت فيها سنويا آلاف الحجاج عطشا .
وحفرت الآبار ، وأقيمت الأحواض والصهاريج ، وزاد - مع ذلك - كثير من المال . فأمرت زبيدة
هامش
( 2 ) أي ثلاثة ملايين دينار .
( 3 ) أي بضعة ملايين دينار .