تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
البدع والأهواء ، بإذن اللّه وحسن توفيقه . ونذكر الآن نماذج لغيض من فيض ما قد يقع من أحداث ، لتكون أدلة على خروج الأمور عن أصولها وقواعدها ، ويتأملها سلطان العالم ، خلّد اللّه ملكه ، في كل ما يصدر من أوامر وأحكام ، إن شاء اللّه . فمن الأمور التي أبقى عليها الملوك في مختلف الأعصر ، إكرام أبناء الملوك وعدم تركهم نهبا للضياع والحرمان ، إذ جعلوا لهم ما يحتاجون إليه لكفاف عيشهم ، كي تظل بيوتاتهم على ما كانت عليه من قبل ؛ وجعلوا للسادة والعظماء والمستحقين والعلماء والعلويين والمصلحين والمستورين والغزاة والمرابطين في الثغور ، وأهل القرآن نصيبا من بيت المال ، حتى إن أحدا لم يبق محروما على عهدهم . فكسبوا بذلك دعاء الناس لهم بالخير ، وثواب الدنيا والآخرة .

أفعال خير الرشيد وزبيدة

يقال إن جماعة من المستحقين رفعوا إلى هارون الرشيد مظلمة فيها : « نحن عباد اللّه وأبناء هذا العصر ، بعضنا أهل قرآن وعلم ، وبعضنا أهل شرف ورفعة ، وبعضنا من لآبائهم حقوق على هذه الدولة لما قدموه لها من خدمات حميدة نافعة . وقد عانينا نحن المشاق والأتعاب أيضا . إننا مسلمون أنقياء لنا نصيب في بيت المال الذي في حوزتك لأنك خليفة الأرض وأمير المؤمنين . إن يكن المال للعباد فأنفق علينا منه ، فنحن مؤمنون ومستحقون . أما أنت ، حافظا للمال وخليفة ، فلا يصيبك منه أكثر من عشر ، وفي هذا كفافك ، في حين أنك تنفق الآلاف يوميا على الشهوات والأرزاق والأطعمة ، ونحن لا نجد الخبز . ومن عجب أنه يظن « 1 » ( أي الرشيد ) أن ما في بيت المال ماله . إن يستقطع لنا نصيبنا فبها ، وإلا نلوذ به إلى اللّه متظلمين وملتمسين نزع بيت المال منه ووضعه في يد ذي شفقة ورحمة على المسلمين ممن يدّخرون الذهب والنعم من أجل العباد ، لا العباد من أجلها » . لما قرأ الرشيد الرسالة تغيّر لونه ، ولم يجب عنها في يومه ذاك ، وعاد من البلاط إلى قصره الخاص قلقا مضطربا . لما رأت زبيدة الرشيد على غير عادته وطبعه ، سألته : « ما ذا جرى لأمير المؤمنين ؟ » . فقال لها : « لقد كتبوا إليّ كذا وكذا ، ولو لم يخوفوني باللّه ، لعاقبتهم » . قالت زبيدة : « لقد أحسنت في عدم إيذائك إيّاهم ، فقد ورثت الخلافة كابرا عن كابر ، وورثت معها سيرهم وشمائلهم وطبائعهم وأفعالهم أيضا . انظر ما فعل الخلفاء قبلك مع عباد اللّه عزّ وجلّ ، وانح نحوهم ؛ فالسيادة والعظمة والملك لا تزهو بغير العدل والبذل ، فذا يجري في مستقر ذاك . ليس من شك في أن ما في بيت المال للمسلمين ، وأنت تنفق منه شيئا كثيرا . أنفق من أموال المسلمين بالقدر الذي تريدهم أن ينفقوا من أموالك ، وإلا فهم معذورون في تضجرهم وتشكّيهم منك » .
هامش
( 1 ) يعود المؤلف هنا - فيما هي عادته أحيانا - إلى الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أيضا .