تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧

الفصل الأربعون في ترفّق الملك بخلق اللّه - عزّ وجلّ - وردّ كل ما يحيد من الأمور والقواعد عن نصابه إليه

إنّ المملكة - أية مملكة - معرضة للابتلاء ، في أي وقت بنازلة سماوية ، وطالع سوء ونحس ، كأن يتحول الحكم فيها من أسرة إلى أخرى ، أو تضطرب أمورها ، فتشتعل نار الفتن والاضطرابات ، وتسلّ السيوف ، فيكثر القتل والحرق والغارة والظلم . وفي أوقات الفتن والاضطراب هذه ، يعاقب الشرفاء وينحّون ، ويتولّى الأرذال مقاليد الأمور ، فيعمل القوي منهم ما يحلو له ، وتسوء حال المصلحين ويضعف أمرهم ، وتقوى شوكة المفسدين ، ويصل الأدنون إلى الإمارة ، ويسود المنحطون والسفلة ، وينحّى الأصلاء والفضلاء ويحرمون . ولا يتورع الأذلاء من أن يطلقوا على أنفسهم ألقاب الملك والوزير ، فيتلقّب الأتراك ب « الخواجات » ، وهؤلاء بالترك . ويتخذ الترك والفرس معا ألقاب العلماء والأئمة ، وتتصدّى نساء البلاط للحكم والسلطة ، وتضعف أمور الشرع ، ويصبح الناس فوضى ، ويتطاول الجند ، ويمحي التمايز بين الناس ، فلا يبقى للأمور من يتداركها . وليس بعيدا أن يتخذ التركي عشرة موال ، وليس عيبا أن يكون للفارسي عشرة موال من الترك والأمراء . بذا تخرج أمور المملكة عن أنظمتها وقواعدها وتنهار . أما الملك فلا تتاح له ، لقلقه وتحيّره وانشغاله بالحروب ، فرصة التفرغ لتلك الأمور أو التفكير فيها . مع أول طالع سعد سماوي وأفول أيام النحس والتعاسة ، وإقبال زمن الأمن والرخاء ، يظهر اللّه تعالى ، في الناس ، ملكا عادلا عاقلا من أحفاد الملوك ، ويهبه ملكا يمكنه من قهر الخصوم وإذلالهم جميعا ، ويمنحه علما وعقلا للتمييز بين الأمور والاستفسار والتحرّي عما كان عليه تقاليد الملوك السالفين وقواعدهم في شتى الأمور والموضوعات ، ولاستنطاق الكتب والأسفار ومطالعتها . ولن يمر طويل وقت حتى يعيد نظام الملك وقواعده إلى ما كانت عليه ، ويظهر للناس أقدارهم ، فينزّل ذوي الجدارة منازلهم الحقيقة بهم ، ويحدّ من سلطة غير اللائقين والمتسللين ويحيلهم إلى أعمالهم وحرفهم ، ويمحو كفرة النعم من على وجه الأرض ، ويؤازر أنصار الدين وأعداء الظلم ، ويقمع