ملاكا طوال ليله « 3 » . ووقف أعوانه أمامه . ولم يكن يرد التحية على من يحييه ، وإذا ما اتّفق وردّ على أحدهم ، فكأنه في حنق عليه .
انقضى وقت ، ثم سأل : « أأحضر أحد ؟ » ، فقيل له : « فتى ، قبض عليه سكران فاقد الوعي ليلة أمس » .
قال : « إليّ به » . فأتي به ، ولما وقعت عيناه عليه ، قال : « أهذا هو ؟ » . قالوا : « أجل » . قال : « كنت أبحث عنه منذ مدة طويلة . إنه ابن حرام ، مفسد ، شرير ، لص ، قاطع طريق ، عربيد ، لا يخشى اللّه ، مثير للفتنة ، ولا مثيل له ببغداد . يجب ألا يكتفى بإقامة الحد عليه ، بل يجب ضرب عنقه . لم يكن له من عمل ليل نهار سوى مطاردة أبناء الناس ، يسيء إلى سمعة الصبيان حينا ، ويلطخ سمعة النساء حينا آخر . لم يكن يمر يوم دون أن يأتي إليّ عشرة منهم يشكونه ويتذمرون من شره . إنني لفي طلبه منذ وقت طويل » . لقد قال الأمير كثيرا من هذا ، حتى إن الفتى رغب في أن يضربوا عنقه تخلصا من كلم لسانه . ثم أمر الأمير بإحضار بضعة سياط جيدة ، وقال : « القوه على الأرض ، واجلسوا على رأسه ورجليه ، واجلدوه أربعين سوطا بنحو يعضّ فيه الأرض بأسنانه » .
ولما كانوا يرغبون في إيداع الفتى السجن بعد جلده حضر ما يربو على خمسين رجلا من الوجهاء المعروفين ، فشهدوا له بالصلاح ، والستر والمروءة ، وكرم الضيافة ، وحسن السيرة والاعتقاد وتشفعوا له بالإفراج عنه بعد جلده ، على أن يقدم هدية أيضا . غير أن الأمير لم يحفظ لهم حرمة ، ولم يعرهم اهتماما ، وأودعه السجن . فعادوا ، وهم عليه ساخطون حاقدون ، والناس يدعون عليه ويلعنونه .
ونهض وصار إلى حجرته . وعاد خادم النديم ، فأطلع سيده على كل ما جرى .
وفي اليوم الثالث ، مضى النديم إلى أمير المؤمنين المأمون ، وتلا عليه ما سمع من سيرة أميري الحرس وسلوكهما . فتملك المأمون العجب ، وقال : « عفا اللّه عن هذا الشيخ المسن ! وعلى ذلك الكلب اللعنة ! فلقد ارتكب سفاهة بحق رجل شريف سكران فما تراه - والعياذ باللّه - يفعل بالقاتل ؟ » . وأمر بتنحيته عن إمارة الحرس وعزله منها ، وإخراج الفتى من السجن . أما الأمير المسن فأبقاه في منصبه ، وخلع عليه خلعة من جديد ، وارتاح باله من شتى الوجوه .
هامش
( 3 ) ترجمة المثل الفارسي :« گويى همه شب فرشته كشته است ».