تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ثم التفت الأمير نحو الفتى ، وقال : « ما تقول ؟ » . قال الفتى : « لقد شاء قضاء اللّه وقدره أن يتم الأمر على يديّ خطأ . إن بعد هذه الدار دار أخرى لا طاقة لي فيها على عذاب اللّه ، عزّ وجلّ ، نفّذ حكم اللّه فيّ » . غير أن أمير الحرس تصامم ، والتفت نحو الناس ، وقال : « إنني لا أسمع ما يقول . أيقر هو أم لا ؟ » قالوا : « أجل ، إنه يعترف » . قال الأمير : « يا بنيّ ، لا تبدو عليك سيما المجرمين . فلربما أن خصما لك ممن يبغون هلاكك حملك على أن تقول هذا . فكّر جيدا » . قال الفتى : « أيها الأمير ، لم يحملني على هذا أحد ، إنني مذنب ، فنفّذ حكم اللّه فيّ » . لما أيقن أمير الحرس أن الفتى لن يتراجع عن قوله ، وأن لا جدوى لتلقينه إياه ، وأنه يعرّض نفسه للموت ، قال له : « أحقّ ما تقول ؟ » قال : « أجل » قال الأمير : « أأنفّذ فيك حكم اللّه ؟ » . قال : « نفّذه » . والتفت الأمير إلى الناس ، وقال : « أرأيتم في حياتكم فتى يخاف اللّه ، مسلما بصيرا بالعواقب من مثل هذا الفتى ؟ إنني لم أر قط . إن نور السعادة والإسلام وأمارات الأصالة تشع منه مثلما ينبعث الضياء من الشمس . إنه يعترف خوفا من اللّه ، ويعلم أنه يجب أن يموت . إنه يرغب في أن يمضي إلى اللّه ، عزّ وجلّ ، نقيا شهيدا . فلم يبق بينه وبين الجنة حيث الحور والقصور إلا خطوات . هؤلاء هم أهل السعادة والمغفرة والجنة » . ثم قال للفتى : « اذهب واغتسل ، ثم عد وصلّ ركعتين ، وسل اللّه ، عزّ وجلّ ، وتب إليه واستغفره ، كي أنفّذ فيك حكمه وقضاءه » . فذهب الفتى واغتسل ، ثم عاد . وأمر الأمير بمصلى ، فصلّى الفتى ركعتين وتاب إلى اللّه واستغفره ، ثم عاد ووقف بين يدي الأمير الذي قال : « كأنني أرى الآن أن هذا الفتى سيرى المصطفى ، صلى اللّه عليه وسلم ، في الجنة ، وسيكون مع الشهداء من مثل حمزة والحسن والحسين وأمثالهم » . هكذا جعل الأمير يدلي بأحاديث الموت بهذه الحلاوة والعذوبة في قلب الفتى حتى حبب إليه الإسراع في قتله . ثم أمر بتعريته وتعصيب عينيه ، وهو ماض في أحاديثه عن الموت على النحو نفسه . وجيء بسيّاف ماهر سيفه هو الماء في صفائه ، ووقف على رأس الفتى دون أن يشعر به . وأشار الأمير بعينه بغتة ، فضرب السيّاف عنق الفتى في سرعة خاطفة ، وقطع رأسه بضربة واحدة . ثم أمر الأمير بإيداع آخرين قبض عليهم بجرائم مختلفة السجن ، للبت في أمورهم والتثبت منها . ونهض ، ومضى إلى حجرته . ثم تفرق الناس . وعاد الخادم إلى النديم ، وحدثه بكل ما رأى . وفي صباح اليوم التالي الباكر ، مضى الخادم إلى سراى أمير الحرس الكهل وجلس ينظر ، فأخذ الناس وأعوانه يتوافدون واحدا تلو آخر ، حتى غص السراي بهم . ولما طلعت الشمس وارتفعت في السماء ، خرج الأمير من حجرته وجلس للناس مقطب الحاجبين ، متهدل العينين كأنه كان يقتل