الندماء : « إن يتفضل مولاي بندبي لهذا الأمر ، وإمهالي ثلاثة أيام آته بحقيقته » . قال المأمون : « لك هذا » .
مضى النديم إلى منزله ، وقال لأحد خدمه الأكفياء : « لقد ندبتك للمهمة الآتية : في بغداد - في هذه الأيام - أميرا حرس ، أحدهما مسن ، والآخر كهل « 2 » . عليك أن تنهض صباح غد الباكر وتمضي إلى بيت الأول ، فحين يخرج من حجرته إلى السراي ، راقب سلوكه : كيفية جلوسه وأقواله وأعماله ، وأنعم النظر في تصرفه وأوامره حين يدخل الناس عليه ، ويساق المجرمون إليه . انتبه لكل هذه الأشياء وأحط بها جيدا ، ثم أطلعني عليها . وبعد غد امض باكرا كذلك إلى سراى الأمير الآخر ، وراقب كل ما يجري من أحاديثه وتصرفاته من أولها إلى أخرها ، ثم عد لي بخبرها أيضا » . فقال الخادم : « سمعا وطاعة » .
في اليوم التالي ، نهض الخادم باكرا ، ومضى إلى سراى أمير الحرس المسن وجلس . ما هي إلا مدّة ، حتى جاء فرّاش ، ووضع شمعا على الصّفة ، وفرش المصلّى ، ووضع عليه بضعة مصاحف وأدعية وسبحات . حينئذ ظهر رجل مسن ، فصلّى عدة ركعات ، ثم أقبل الناس جميعا . وجاء الإمام ، فأقام الصلاة ، وصلّيت الجماعة . قرأ الرجل ما تيسر له من القرآن والأدعية ؛ ولما فرغ من أوراده تناول السبحة وأخذ يسبح ويهلل ، والناس يتواردون ويلقون السلام ، بعضهم يذهب وبعضهم يجلس إلى بعيد شروق الشمس . حينئذ سأل الأمير : هل من مذنب فأجيب : « فتى ارتكب جريمة قتل » . قال :
« أمن أحد يشهد عليه ؟ » . فقيل له : « لا ، هو نفسه مقرّ بجرمه » . قال : « لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . أدخلوه لأراه » . فأدخل الشاب . ولما وقعت عين الأمير عليه : قال « أهذا هو ؟ » قيل له :
« أجل » . قال : « لا تبدو على هذا الفتى سيما المجرمين ، بل إن نور الإسلام والأصالة والإنسانية يشع منه . إنه ليس ممن يرتكبون مثل هذا الإثم . أحسب أنهم يكذبون . لن أستمع إلى قول أحد فيه . ما هذا الكلام ؟ ! إن هذا الجرم لا يصدر عن هذا الفتى . انظروا كيف أن سيماه وملامحه تشهد له » . وفي حين كان الفتى ينصت مصغيا ، قال أحدهم : « أيها الأمير ، إنه هو نفسه مقرّ بجرمه » فصاح به الأمير :
« اخرس ، فمن ذا الذي يسألك ؟ ألا تخاف اللّه ، أتحمّل نفسك وزر دم فتى مسلم عبثا ؟ إن هذا الفتى أعقل من أن يفعل أو يقول شيئا يكون فيه هلاكه وحتفه ! » . وكان هدف الأمير من ذلك أن ينكر الفتى أقواله ويتراجع عنها .
هامش
( 2 ) الكهل لغة ، الرجل إذا جاوز الثلاثين . وقيل من زاد على ثلاثين إلى الأربعين ، وقيل من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين . ( اللسان - كهل ) .